ليس الأهم من سيقود الحكومة المقبلة ولكن الأهم ماذا تستطيع تغييره؟

يطرح الكثيرون اليوم سؤال ملامح الحكومة المقبلة في المغرب، و يتجه النقاش غالبا إلى أسماء الأحزاب المتصدرة للنتائج، وطبعا مع حسابات المقاعد المحصل عليها، وهوية من سيتولى رئاسة الحكومة، وتركيبة التحالف الذي سيسند إليه تدبير المرحلة. غير أن هذه الأسئلة و على أهميتها، لا تكفي وحدها لإستشراف المستقبل الحكومي. فقبل السؤال عمن سيقود الحكومة، ينبغي أن نسأل من الذي تستطيع حكومة مقبلة تغييره فعلا؟ وما الذي ستجده أمامها من إختيارات إستراتيجية والتزامات ممتدة، لا تبدأ مع تنصيبها ولا تنتهي بإنتهاء ولايتها؟
هنا تكمن خصوصية الحالة المغربية. فجزء معتبر من التوجهات الكبرى للبلاد تحكمه إستمرارية الدولة أكثر مما تحكمه دورية الإنتخابات. وقد ترسخ هذا المنحى من خلال أوراش البنية التحتية والتحول الطاقي وتوسيع الحماية الإجتماعية وتأمين الموارد المائية وتحديث الإقتصاد وتعزيز موقع المغرب في محيطه الإقليمي والدولي. وهي أوراش لا يمكن إختزالها في برنامج حزبي، ولا قياس مداها بعمر أغلبية حكومية واحدة لأنها ترتبط بتحولات تتطلب زمن أطول وتمويل متراكم وإستقرار في الرؤية والتنفيذ.
لقد أكدت التوجيهات الملكية في مناسبات متعددة، أهمية إستمرارية الإصلاحات الكبرى وربط الإستثمار في المشاريع بتحسين أوضاع المواطنين وتقليص الفوارق. ومن هنا فإن قراءة الحكومة المقبلة بإعتبارها بداية منفصلة عما سبق ستكون قراءة ناقصة. فالأرجح أنها ستتحرك داخل أفق إستراتيجي قائم وستقاس قدرتها إلى حد بعيد بمدى تحويله إلى سياسات متناسقة ونتائج ملموسة. لكن الإستمرارية هنا لا تعني الجمود كما أن وجود وجهة عامة للدولة لا يجعل الإختيار الحكومي مجرد تفصيل إداري.
إن القول إن ملامح الحكومة لا تتحدد في برامج الأحزاب وخطاباتها يصيب جانب أساسي من الواقع لكنه يحتاج إلى تدقيق. فالبرامج الحزبية لا ترسم بمفردها مجمل الخيارات الإستراتيجية للدولة، لكن يفترض أن تجيب عن أسئلة حاسمة للمواطن داخل تلك الخيارات، ومنها بأي أدوات تنفذ الإصلاحات؟ وكيف ترتب الأولويات؟ ومن يتحمل كلفتها؟ وكيف توزع ثمار النمو؟ وما التوازن المطلوب بين دعم الإستثمار وحماية القدرة الشرائية للمواطن ؟ في هذه المساحات تتجسد السياسة وتظهر الفوارق بين حكومة وأخرى حتى عندما تواصلان الورش نفسه.
كما يمكن إستشراف الملمح الأبرز للحكومة المقبلة بوصفه إنتقال متزايد من سؤال إطلاق الأوراش إلى سؤال مردوديتها. فكلما إتسعت المشاريع وتعاظمت الموارد المعبأة لها إرتفع منسوب إنتظار المواطنين. والمواطن لا يقيس التحول فقط بما يراه من منشآت بل بما يلمسه في المدرسة والمستشفى وفي فرص الشغل وتكاليف العيش وجودة الخدمات. لذلك قد تصبح المسافة بين الإنجاز المعلن والأثر المعيش إحدى أهم ساحات التنافس السياسي والمساءلة العمومية.
وستظل قضية الماء بما لها من إمتدادات فلاحية وغذائية ومجالية العنصر الضاغط في ترتيب الأولويات. كما سيبقى التشغيل خاصة تشغيل الشباب إمتحان لقدرة الإقتصاد على تحويل الإستثمار إلى إندماج إجتماعي. أما إصلاح التعليم والصحة وتوطيد الحماية الإجتماعية فلن تحسم تحدياتها بمجرد تثبيت النصوص القانونية والإعتمادات، إذ ستتوقف نتائجها بشكل أساس على الموارد البشرية والحكامة والتنسيق. ومن المرجح أن تختبر الحكومة المقبلة في قدرتها على وصل هذه الملفات بعضها ببعض بدل تدبيرها كجزر قطاعية منفصلة.
وعلى المستوى الخارجي، ستتحرك أي حكومة داخل بيئة يصعب الإطمئنان إلى إستقرارها،خاصة مع تقلبات أسعار الطاقة والغذاء وتحولات التجارة الخارجية والإستثمار والتوترات الجيوسياسية وتزايد آثار المناخ. وهذه المتغيرات قد تفرض مراجعة الوتيرة أو الوسائل أو ترتيب النفقات من دون أن تعني بالضرورة تغيير الوجهة العامة لسياسة الدولة. غير أن الإستجابة للمستجدات ليست عملية تقنية محايدة فإختيار من تمنح له الحماية أولا وأي قطاع يدعم وكيف توزع أعباء الصدمات يظل قرار سياسي وإجتماعي بإمتياز.
وسيكون تماسك الأغلبية بدوره عامل فاصل فالحكومة التي تتوزع فيها المسؤولية بين شركاء يتنافسون على نسب النجاح ويتبرؤون من كلفة القرارات تضعف قدرتها على التنفيذ وعلى بناء الثقة. إن المطلوب ليس إلغاء الإختلاف داخل التحالف بل ضبطه بوضوح الإلتزامات والمسؤوليات المستقبلية. أما التواصل فلن يعوض نقص النتائج لكنه يظل ضروري لشرح الخيارات والإعتراف بالعتراث وتقديم آجال واقعية للإصلاح لأن الثقة لا تبنى بالمبالغة في الخطابات بل بالوضوح وقابلية المحاسبة.
ختاما، يبقى السؤال العميق ليس من سيشكل الحكومة المقبلة أو من يترأسها؟ بل من يستطيع أن يجعل إستمرارية الدولة أكثر إنتاج للعدالة الإجتماعية والنجاعة والثقة؟ فالمغرب لا يحتاج إلى أن يبدأ من الصفر مع كل حكومة، لكنه يحتاج إلى ألا تتحول الإستمرارية إلى مبرر لتكرار الأعطاب. وفي هذا الفارق الدقيق ستكتب القيمة السياسية للحكومة القادمة.
د/ الحسين بكار السباعي
محلل سياسي وخبير إستراتيجي
مدير قطب إفريقيا والتعاون الدولي
المركز الدولي للأمن والهجرة والتنمية



