وهبي يفتح دفاتر بنكيران القديمة

عبد الصادق النوراني .
لم يكن عبد اللطيف وهبي، في حواره الأخير مع (هسبريس) بصدد توجيه عتاب سياسي عابر إلى عبد الإله بنكيران ، فالرجل اختار أن يفتح دفاتر قديمة وأن يضع أمام خصمه السياسي مرآة واسعة يرى فيها ما يعتبره وهبي تناقضاتٍ في الخطاب والممارسة ، من التطبيع إلى تدبير الولاية الحكومية مرورا بطريقة مخاطبة الخصوم السياسيين وحسابات الانتخابات .
وهبي لم يكتفِ بالاختلاف مع بنكيران ، بل ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك مستخدما عبارات شديدة القسوة ، من بينها وصف خطاباته بأنها تنقض الوضوء ، والتشكيك في قراءاته اللهم ما تيسر من القرآنالكريم في صلواته ، قبل أن يستحضر قصة توقيع سعد الدين العثماني على وثيقة استئناف العلاقات مع إسرائيل ليقول لبنكيران بوضوح لا يحتمل كثيرا من التأويل ، إن من يدين التطبيع مطالب أولا بمراجعة موقف حزبه ومسؤوليته السياسية في تلك المرحلة .
وهنا تحديدا جاءت أسئلة وهبي الأكثر إحراجا ليسائل إبن كيران ماذا حدث عندما غادر حزب الاستقلال حكومة بنكيران في منتصف ولايتها سنة 2014 ، ومن الذي أنقذ التجربة الحكومية من السقوط ؟ وهي واقعة لم تعد مجرد حكاية من حكايات الصراع الحزبي ، بل محطة سياسية تحدث عنها مصطفى الرميد نفسه لاحقا ، معتبرا أن انسحاب الاستقلال كان يمكن أن ينهي قيادة العدالة والتنمية للحكومة قبل أن تفضي التسوية السياسية إلى استمرارها .
ثم ينتقل وهبي إلى صفحة أكثر حساسية ليتسائل ماذا جرى في لقاء بنكيران بالملك محمد السادس سنة 2016 بحضور مصطفى الرميد ؟ سؤال لا يقدم وهبي بشأنه رواية مكتملة بقدر ما يطالب بنكيران بأن يخرج هو بنفسه إلى المغاربة ليشرح ما جرى بدل أن يظل الماضي السياسي مادة انتقائية تستعمل حين تخدم الخطاب وتنسى حين تصبح محرجة .
لكن الأخطر في كلام وهبي ليس قاموس العبارات الحادة ، فالمغرب اعتاد منذ سنوات أن يرى السياسة تتحول أحيانا إلى مباراة في سلاطة اللسان ، الأخطر هو أن الرجل أعلن عمليا انتهاء مرحلة الصمت أمام خرجات بنكيران ، وأن زمن ترك التصريحات تمر بلا جواب قد انتهى .
وهنا يصبح السؤال السياسي أكبر من شخصي وهبي وبنكيران معا ، هل نحن أمام بداية مرحلة جديدة من المواجهة الكلامية بين رجلين يعرف كل واحد منهما الآخر جيدا ، ويعرف أين توجد الملفات التي يمكن أن تؤلم الخصم ؟
بنكيران الذي اعتاد أن يدخل المعارك السياسية من باب الخطاب الجماهيري المباشر ، يجد نفسه هذه المرة أمام وهبي الذي لا يبدو مستعدا للعب دور المتلقي الصامت . ووهبي، الذي لم يكن يوما من مدرسة اللسان الدبلوماسي ، قرر أن يرد على بنكيران باللغة التي يرى أنها تفهمها الساحة السياسية ألا وهي فتح الملفات ، استحضار الماضي ، وتذكير الخصم بما قد يكون قد نسيه أو اختار ألا يتحدث عنه .
ولعل أكثر ما يمنح هذه المواجهة دلالتها أن الرجلين ليسا وافدين جديدين على المشهد السياسي المغربي ، كلاهما خبر الحكومة والحزب والانتخابات والخصومة ، وكلاهما يعرف أن الذاكرة السياسية المغربية أطول من ذاكرة الحملات الانتخابية .
لذلك فإن المعركة المقبلة لن تكون مجرد تبادل للاتهامات والردود . إنها إذا استمرت قد تتحول إلى مواجهة بين روايتين حول من يملك حق الحديث عن الماضي ، ومن يملك شجاعة فتح أرشيفه قبل أن يفتح أرشيف خصمه .
وهنا تحديدا ، لا يكفي أن يرتفع صوت اللسان ، فحين تفتح الدفاتر القديمة تصبح الوثائق أقوى من الخطب والتواريخ أقسى من العبارات والوقائع أبلغ من كل (كلاش) سياسي .
والواضح أن وهبي قال لبنكيران بلهجة لا تحتاج إلى قاموس سياسي لترجمتها ، لقد انتهى زمن أن تتحدث وحدك وأن يكتفي الآخرون بالاستماع .



