مقالات و آراء

العَمَلُ النّقَابِيُّ بَيْنَ الطُّهْرَانِيَة والبْرَاغْمَاتِيَة.. أَزْمَةُ ضَمِيرٍ أَمْ قِصَرُ تَفْكِيرٍ..؟

كثُر الحديث عن معنى الطهرانية في مواقع متعددة متباينة المعنى و المضمون حسب فهم كل شخص لها، و إن كان هذا المعنى في أصله مستورد من الحقل الديني الكاثوليكي أولا ثم الإسلامي ثانيا، فإن الطهرانية من حيث المفهوم هو ذلك المعتقد المتعلق بالنقاء و الطهارة، سواء كانت معنوية ، جسدية أو دينية. و يمكن أن تشير الطهرانية إلى الممارسة الصارمة للطقوس التي تهدف إلى الحفاظ على الطهارة الروحية والجسدية. كما أن الطهرانية أيضا هي نوعً من التفكير الذي يسعى لتحقيق نقاء أخلاقي أو مثالية معينة في السلوك والتصرفات.
أما الطهرانية في علاقتها بالعمل النقابي، تعني الموقف أو النهج الذي يتبناه النقابيون سواء كانوا مسؤولين أو منخرطين، الذين يرفضون أي شكل من أشكال الفساد أو التنازلات المبدئية. و هؤلاء الذين يسعون للحفاظ على نقاء الحركة النقابية و السمو بأهدافها، ويصرون على الالتزام بمبادئ النزاهة والشفافية والعدالة،مما يجعلهم بشكل أو بآخر يجدون أنفسهم معارضين لأي تسويات أو صفقات تُبرم على حساب حقوق العمال أو المبادئ التي قامت عليها النقابة، خصوصا اذا كان الطرف المستفيد رجعيا أو انتهازيا و هذه أقل الحالات بؤسا في تكريس الريع النقابي..

و إذا سلمنا نحن الذوات المفكرة أو (الفاعيلين النقابين) بأن “الطهرانية النقابية” إن صح تسميتها هكذا هي حاجز و عائق أخلاقي أو نفسي لا يساعد في توسعة القاعدة النقابية من المنخرطين و غير ذلك، فإن هذا المعنى و حسب اعتقادي المتواضع هو تكتيك مرحلي زمنيا و عمليا لأن ما بني على باطل فهو باطل، لأن الأساس الذي يقوم عليه التنظيم هو البناء القاعدي الجماهيري الذي يؤمن و يتشبع بالفكر و المشروع المجتمعي الذي يتبناه التنظيم مركزيا على الأقل إن لم يكن أمميا.. وهذا هو مشكل الحركة النقابية ببلادنا منذ أواخر القرن الماضي، التي انسلخت من جلدها الأممي تحت مسمى الأولويات الوطنية!! ثم الجهوية و الإقليمية لتصبح الآن شخصية أكثر من أي وقت مضى و تلكم أشد قبحا و تنكيلا… إن الطهرانية و رغم تحفظ بعض الرفاق عليها سواء علنا أو سرا، فهي التي تسعى و تهدف إلى حماية الحركة النقابية من التأثيرات السلبية والحفاظ على مصداقيتها واستقلاليتها، هي ذالك الضمير المستتر الذي ينهض و يقض فينا مشاعر و أحاسيس السمو و الارتقاء بما نؤمن به و نسعى لتطبيقه و تنزيله كتنظيم داخل المجتمع الذي يحمل في طياته تناقضات فكرية عدة. لتأتي الطهرانية لتوقض فينا إنسانيتا و الطيبة المكنونة بداخلنا رغم ما أسلفنا سابقا من تناقضات..

وعلى ذكر التناقضات فإنه لا يسعنا فهم مفهوم الطهرانية إلا بالإتيان بنقيضه، والحال هنا أن عكس الطهرانية هو البراغماتية (الواقعية العملية) إن شاء البعض تسميتها بإسم ملطف مقبول، ويقصد بالبراغماتية في علاقتها بالعمل النقابي هو تبني نهج عملي ومرن حيث يتم التركيز على تحقيق النتائج والإنجازات الفعلية حتى لو تطلب ذلك بعض التنازلات أو التسويات. فالبراغماتيون يفضلون اتخاذ القرارات بناءً على ما هو ممكن وعملي في الواقع الحالي، بدلاً من التمسك الصارم بالمبادئ و المشروع الفكري و المجتمعي للإطار النقابي الذي ينتمون إليه، مبررين ذلك بأن المثالية قد مضت مع أفلاطون في مدينته الفاضلة، و كأنما المدينة الفاضلة لأفلاطون كانت بناء من حجر على حجر!! في حين أن المدينة الفاضلة، فاضلة بسكانها التي يجب أن تتوفر فيهم القيم الفضلى و الأخلاقية التي عبر عنها اللاهوتيون فيما بعد بالطهرانية التي لا أرى أنا شخصيا حرجا في استعمال هذا المفهوم رغم أصله الديني لأنه أصبح الآن يرمز إلى تلك الانسانية المضمحلة في المجتمع المادي و المكبوتة في نفوس الذوات المفكرة بحجة استحالة تبنيها أو تطبيقها لأنها “مثالية” في زمن مادي مع العلم أن معظمهم لا يجد حرجا في أن يكون براغماتيا (مصلحجيا حسب تعبير إخواننا المصريين) بل و ينادي بها علنا لدرجة الافتخار و التباهي..

جميل في هذا الاسبوع النضالي أن نجتمع مع رفاقنا لنستفيد من بعضنا البعض و نتناقش فكريا و هذا مايخلق جدلا فكريا وواقعيا يسهم في إغناء التراكم الفكري لبعضنا البعض و هو ما قل في العمل النقابي إن لم أقل قد إنعدم…
وأنا أكتب هذه التدوينة التي لا تغدو أن تكون تجميعا لأفكار متناثرة انهالت عليّ سيول من الأسئلة من قبيل :
ماهو الإنتاج الفكري للنقابين؟
ما مضمون العمل النقابي بصفة عامة؟
كيف يمكن المزج بين الطهرانية والبراغماتية؟
هل نضالنا من داخل الإطارات النقابية يتوقف على تحقيق العدالة الاجتماعية (الخبزية: الرفع من الأجور + تحسين الوضعية المعيشية..) فقط؟
هل الحقل الفكري قد أشبع من الأفكار المختلفة المشارب بين ماهو يساري و ماهو يميني و ما يوصف بأنه معتدل؟
أنا لا أبحث عن إجابات لهذه التساؤلات بحد ذاتها لأنها ما هي إلا غيث من فيض.. مع أنني أعلم الإجابة البديهية و المتوقعة من العديد و هي أن المنخرطين لا يهمهم الجانب الفكري أو المثالية أو الطهرانية التي أتحدث عنها.. لأنهم يسعون للاستفادة اجتماعيا و ماديا… و للأسف هذا هو ما سلم به العديد من القيادات النقابية سواء عن وعي و دراية أو عن نقص و جهالة…
لأن الأصل في القاعدة هي أن النقابات هي التي تمارس دورها في التأطير و التكوين و التوعية و الرقي بالفعل النقابي و السياسي و ليس أن تكون خاضعة كل الخضوع لرغبات المنخرطين الضيقة و المحدودة و إن فعلت هذا فإنها تصبح خاضعة لقاعدة التسويق (marketing) أي العرض و الطلب!!!
و هنا يظهر لنا جليا تأثير البورجوازية المستمر فكريا في مختلف الميادين بل و الأنكل من ذالك أننا نجد إطارات تصنف نفسها ضمن التيار اليساري و كل ممارستها الواقعية هي بورجوازية أكثر من البورجوازين أنفسهم و الأعجب ما في الأمر هو أنها تمارس ذلك عن وعي يصل في نظري إلى جهالة فوق جهالة الجاهلين..!!

إن المزج بين الطهرانية والبراغماتية لا يمكن أن ينتج لنا نهجًا قويما متوازنًا وفعالًا على المستوى الاستراتيجي، خاصة في السياقات النقابية الحالية التي اختلط فيها الحابل بالنابل. لأن هذا النهج يفترض فيه أن يجمع بين التمسك بالمبادئ الأساسية للنزاهة والشفافية (الطهرانية) وبين المرونة والقدرة على التكيف لتحقيق نتائج واقعية (البراغماتية).

وفرضا اذا قلنا بأن هذا النهج يمكن تحقيقه فيجب أن يتم المزج بين المفهومين عن طريق:

1. تحديد المبادئ الأساسية: و هي تلك المبادئ والقيم التي لا يمكن التنازل عنها، أو التفريط فيها مثل النزاهة، العدالة، وحماية حقوق العمال.

2. المرونة في التنفيذ: وتبني مرونة تتجلى في كيفية تحقيق هذه المبادئ، مما يسمح بالتكيف مع الظروف المتغيرة والواقع العملي الذي تكون فيه المبادئ السابقة هي المحددة و المؤطرة لها.

3. التواصل الفعال: و يكون عبر العمل على ممارسة دورنا في التكوين و التوعية بالحفاظ على حوار مفتوح وشفاف مع جميع الأطراف المعنية، مما يضمن فهم وتوضيح التوازن بين المبادئ والتطبيقات العملية لها.

4. التقييم المستمر: عبر مراجعة القرارات والسياسات بشكل دوري بالارتباط بمشروعنا الفكري لضمان أنها تحقق الأهداف المرجوة دون التضحية بالمبادئ الأساسية بل تطبيقا لها.

5. الابتكار في الحلول: البحث عن حلول إبداعية تحقق الأهداف المرجوة بطريقة تتماشى مع المبادئ الأخلاقية و المرجعية الفكرية لنا وتكون قابلة للتنفيذ في الواقع العملي.

ومما لا يخفى على الجميع أن لهذا المزج خيط رفيع تكون المحافظة عليه عبر الثبات على مبادئنا و أخلاقنا و تفعيلا للمشروع المجتمعي الذي ننادي به ومن وسائله:

– المصداقية: بالمحافظة على مصداقية إطارنا النقابي أمام أعضائه و جمهوره سرا و علانية .
– الفعالية: و هي المراكمة في جانب المصداقية مما يزيد من قدرة النقابة على تحقيق أهدافها العملية.
– الاستدامة: تضمن استدامة العمل النقابي على المدى الطويل من خلال الجمع بين الطهرانية والواقعية في صفتها المثلى.

بهذا المنهج يمكن لنا كنقابات أن نحقق التوازن بين الالتزام بالطهرانية و المبادئ الأخلاقية والقدرة على تحقيق نتائج فعالة وملموسة..
قد يختلف معي الكثير من الرفاق و المتتبعين للمشهد النقابي ببلادنا إلا أن هذه هي فلسفتي في بناء تنظيم مستدام على المدى البعيد .. وقد تكون أيضا صعبة على الفهم، لكن المؤكد أنه لن يعيها إلا أصحاب الأدمغة ذوو التفكير المرحلي و الاستراتيجي..

بقلم نعيمة الكثراني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock