“المهدية 3”.. ملف معروض أمام القضاء واستمرار النقاش القانوني بعيدا عن الأحكام المسبقة

في ظل تزايد التناول الإعلامي لملف “المهدية 3″، وما رافقه خلال الأيام الأخيرة من مقالات وتعليقات اعتبرها متابعون حاملة لأحكام قطعية واستنتاجات مسبقة، يقتضي واجب التوضيح التذكير بالسياق القانوني الحقيقي الذي يوجد فيه هذا الملف، بعيدا عن أي تأويل أو تضخيم إعلامي.
ففي الوقت الذي ما تزال فيه القضية معروضة على أنظار غرفة الجنايات الاستئنافية بأكادير، لم يصدر في شأنها أي حكم نهائي مكتسب لقوة الشيء المقضي به، وهو معطى أساسي يتم أحيانا تجاهله في بعض التغطيات الإعلامية، رغم كونه جوهر الوضعية القانونية للملف.
والأهم من ذلك، أن محكمة النقض، باعتبارها أعلى هيئة قضائية بالمملكة، سبق أن قررت إحالة الملفين المرتبطين بالقضية من جديد على قضاء الموضوع، من أجل إعادة الدراسة والمناقشة، بعد أن ارتأت أن الملف يستدعي مزيدا من التمحيص والتدقيق القانوني.
هذا القرار، في حد ذاته، يحمل دلالة واضحة: مفادها أن الملف لم يحسم نهائيا، وأنه لا يزال يطرح إشكالات قانونية وواقعية تستوجب التداول القضائي المتجدد، وفق ما تقتضيه قواعد العدالة وضمان حقوق الأطراف كافة.
وفي هذا السياق، يطرح تساؤل مشروع نفسه: إذا كانت الحقيقة محسومة بشكل نهائي كما يتم الترويج له إعلاميا، فما الحاجة إلى إعادة عرض الملف أمام القضاء من جديد من طرف أعلى هيئة قضائية في البلاد؟
إن الجواب القانوني البسيط هو أن القضية لا تزال مفتوحة على مستوى التقييم القضائي، وأن المعطيات المرتبطة بها لم تستنفد بعد كامل مسارها داخل أروقة العدالة.
ومن جهة أخرى، فإن من بين النقاط التي يتم إغفالها في بعض التغطيات الإعلامية، أن بعض الصفات المتداولة بخصوص أطراف النزاع، ومنها ما يتم تقديمه حول “الملكية الشرعية” أو غيرها من الادعاءات، تبقى موضوع نزاع قانوني قائم أمام المحكمة، ولم يتم الحسم فيه بعد، وهو ما يجعل من أي استباق للنتائج القضائية مساسا بمبدأ قرينة البراءة وبحياد النقاش العام.
كما أن الأطراف المعنية في هذا الملف أكدت، في أكثر من مناسبة، انخراطها الكامل في المسار القضائي، واستعدادها للخضوع لأي خبرات تقنية أو قضائية مستقلة بخصوص الوثائق والعقود موضوع النزاع، إيمانا منها بأن القضاء وحده المخول للحسم في هذه القضايا وفق ما توفره المساطر القانونية من ضمانات.
وفي المقابل، تشير معطيات مرتبطة بسياق الملف إلى أن أطرافا رئيسية كانت قد توصلت في مراحل سابقة إلى اتفاقات وتسويات ودية أنهت جزءا مهما من الخلافات، ما ترتب عنه تنازلات وإجراءات قضائية تم تجاوزها في إطار حلول رضائية، وهو معطى يعكس تعقيد الملف وتعدد مراحله القانونية.
غير أن إعادة تقديم القضية اليوم في بعض المنابر الإعلامية بأسلوب يعتمد على عبارات مثيرة ومشحونة، من قبيل أوصاف ذات طابع اتهامي، يطرح إشكالا مهنيا وأخلاقيا، خاصة وأن الملف لا يزال بين يدي القضاء، ولم تحسم فيه الحقيقة القضائية النهائية بعد.
إن مثل هذا التناول قد يُحدث التباسا لدى الرأي العام، في وقت يفترض فيه أن يبقى النقاش متوازناً ومحكوماً بقرينة البراءة واحترام استقلال القضاء، باعتباره الضامن الوحيد لكشف الحقيقة وفق ما تقتضيه الأدلة والحجج داخل قاعات المحاكمة، لا عبر التأويلات الإعلامية.
وفي هذا الإطار، يظل القضاء المغربي، من خلال مختلف درجاته، بما في ذلك محكمة النقض، المرجع الأساسي والحاسم في هذا النوع من القضايا، بما يضمن استقلالية القرار القضائي وحياده التام عن أي تأثير خارجي، سواء كان إعلاميا أو غيره.
ويبقى الأمل معقودا على أن تستمر مجريات هذه القضية في إطارها الطبيعي، بعيدا عن أي تشويش أو تأويل، إلى حين صدور حكم نهائي يُنهي هذا النزاع، ويضع حدا لكل القراءات المتباينة، وفق ما ستسفر عنه حجج الأطراف ومداولات القضاء.
وفي انتظار ذلك، تبقى الثقة في القضاء هي الأساس، والاحتكام إلى القانون هو الطريق الوحيد لإظهار الحقيقة كاملة، بما يضمن إنصاف جميع الأطراف دون استثناء.



