حوادث

فاجعة بولونيا بإيطاليا وإنتكاسة حقوق الإنسان، الجالية المغربية بأوروبا بين توظيف اليمين المتطرف وصدمة المقاربة الأمنية.

طرحت الفاجعة الأخيرة لمقتل المواطن المغربي بمدينة بولونيا على أيدي عناصر المكلفين بإنفاذ القانون في إيطاليا والتي ندينها بشدة ويدينها كل إنسان يؤمن بالقيم الإنسانية والتسامح والعيش المشترك ، طرحت إشكاليات عميقة تتجاوز نطاق الحادث المأساوي لتلامس بعمق البنية الحقوقية والأمنية التي تعتمدها دول الإتحاد الأوروبي في تعاطيها مع ملف الهجرة والمهاجرين. إن مشاهد الشدة العنيفة وإساءة إستخدام السلطة أثناء عمليات التوقيف والضبط لم تعد مجرد تجاوزات معزولة، بل أضحت مؤشر خطير على إنزلاق المؤسسات الأمنية لبعض الدول الغربية نحو ممارسات تنطوي على عنصرية مؤسسية وتنميط عرقي ممنهج، يتناقض بشكل صارخ مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وكذا المادة الثالثة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان التي تحظر المعاملة اللاإنسانية أو المهينة.

ومن الناحية القانونية المجردة والتي تلزمنا جميعا على أن نضع هذا الحادث أمام امتحان حقيقي للسلطات القضائية الإيطالية لإعمال مبدأ سيادة القانون وتفعيل قواعد المسؤولية الجنائية بحق رجال الأمن دون حصانة أو إفلات من العقاب، خاصة وأن مبدأ تناسب إستخدام القوة يعد الركن الأساس في إلتزام الدولة بحماية الحق في الحياة، وهو أعلى و أسمى الحقوق التي لا يجوز المساس فيها تحت أي ذريعة أمنية.
كما أنه ومن زاوية رصد أوضاع المهاجرين بأوروبا فإنه لا يمكن فصل حادثة بولونيا عن السياق السياسي والمجتمعي العام داخل إيطاليا والغرب الأوروبي بأسره، حيث تتزايد مظاهر الإخفاق في إدارة الملف الاندماج وأنسنة الهجرة. إن النماذج الأوروبية لإدماج المهاجرين وخاصة أبناء الجالية المغربية التي تشكل واحدة من أكبر وأقدم المكونات الأجنبية في جنوب وشمال أوروبا، قد شهدت انتكاسات متتالية نتيجة الإعتماد الشديد على مقاربة أمنية زجرية تختزل فيها الهجرة في مجرد تهديد أمني أو عبء اقتصادي، وتغيب فيها الأبعاد الإنسانية والحقوقية والتنموية. هذا الإخفاق هو نتاح مسار طويل من تقليص برامج الدعم الإجتماعي والإندماج الثقافي وتهميش أجيال المهاجرين في أحياء معزولة، مما كرس مشاعر الإغتراب والغبن لدى المهاجرين من جهة وغذى مشاعر الخوف والريبة لدى المجتمعات المستضيفة من جهة أخرى.

وفي هذا الوضع المشحون يبرز صعود التيار اليميني المتطرف في المشهد السياسي الأوروبي كعامل حاسم في تغذية الهجوم على حقوق المهاجرين. لقد نجح اليمين المتطرف في تحويل ورقة الهجرة إلى أداة هيمنة إنتخابية مستخدما الخطاب الشعوبي المرتكز على كراهية الأجانب ونظرية الاستبدال العظيم لإعادة تشكيل الرأي العام وإستقطاب الناخبين. ولم يقتصر تأثير هذا التيار على الخطاب الإعلامي بل إمتد ليتغلغل في مراكز صنع القرار وصياغة التشريعات، مما أدى إلى تضييق الخناق على طلبات اللجوء وإقامة المهاجرين، وتشديد سياسات الترحيل وخلق بيئة سياسية تشرعن التمييز وتمنح أجهزة الأمن غطاء غير مباشر للممارسات التعسفية. إن اليمين المتطرف اليوم لم يعد مجرد ظاهرة سياسية هامشية في أوروبا، بل أصبح يحدد أجندات الحكم وسياسات الهجرة حتى بالنسبة للأحزاب التقليدية التي باتت تتملص من إلتزاماتها الدولية مسايرة لموجة التشدد غير النسبوقة في مجتمع يدعي الحريات وإحترام حقوق الإنسان.

إن قراؤتنا الإستشرافية المتواضعة لمستقبل المهاجرين المغاربة و مختلف الجاليات في أوروبا، تجعل المرحلة القادمة في مؤشر متصاعد مع التحديات القانونية والإجتماعية إذا ما إستمرت المقاربات الأمنية والتجييش السياسي الحالي. غير أن هذا الواقع المأساوي يفرض بالمقابل ضرورة إعادة هيكلة أدوات التدافع الحقوقي والدبلوماسي، فقد بات من الضروري أن تلعب الدبلوماسية المغربية ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات الحقوقية الدولية دورا أكثر حزما في الضغط من أجل إرساء آليات رقابة مستقلة على عمل الأجهزة الأمنية الأوروبية، ومناهضة التنميط العرقي أمام المحاكم الوطنية والدولية. فمستقبل جاليتنا في أوروبا مرهون بمدى القدرة على فرض إحترام سيادة القانون ونبذ الخطاب العنصري، والتحول من سياسات الإحتواء الزجري إلى إستراتيجيات شراكة حقيقية تضمن كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية بغض النظر عن جنسيته أو أصوله.

لم تكن مأساة مقتل المواطن المغربي على يد عناصر من الشرطة الإيطالية مجرد حادث فريد في سجل التجاوزات الأمنية بدول الإستقبال، بل واقعة فتحت من جديد جرح غائر متعلق بإستشراء النزعات العنصرية وتزايد الشبهات حول الإفراط في إستخدام القوة القاتلة ضد المهاجرين وأبناء الأقليات في أوروبا. وتتضاعف خطورة هذه الحادثة في ظل السياق السياسي الراهن للداخل الإيطالي، المتسم بصعود حكومة يمينية محافظة بقيادة، تجعل من الملف الأمني وتضييق الخناق على المهاجرين ركيزة أساسية لسياستها المعلنة، مما يوفر غطاء سياسي يضعف فرص المساءلة الصارمة داخل المؤسسات الأمنية والقضائية. كما أن استقراء التاريخ القريب للممارسة الأمنية في إيطاليا يظهر أن هذا الإفراط في إستعمال القوة من طرف الأجهزة الأمنية ليس وليد اليوم، فقد شهد الشارع الإيطالي هزات حقوقية مماثلة أعادت استقلال القضاء على المحك وكان أبرزها قضية الشاب الإيطالي ستيفانو كوتشي سنة 2009، الذي توفي إثر تعذيب وحشي أثناء إحتجازه لدى الشرطة وهي القضية التي استغرقت أكثر من عقد من الزمن ومحاولات طالتها شبهات المماطلة والتستر قبل أن تنتهي بإدانة عناصر الأمن. وإذا كان هذا التعقيد قد طال مواطن إيطالي فإن المخاوف تتضاعف عندما يكون الضحية مهاجر مغاربي أو من جنسية أخرى، كما حدث في واقعة مقتل العامل المالي سومايلا ساكو سنة 2018، أو حادثة إطلاق النار التي أودت بحياة المهاجر المغربي يونس البوسعداني على يد مسؤول محلي يميني متطرف بمدينة فوغيرا سنة 2021. هذه الوقائع تثبت وجود بيئة حاضنة لتجاوزات السلطة عندما يتعلق الأمر بالمهاجرين. ولا تنفصل هذه الظاهرة في إيطاليا عن المشهد الأوروبي والعالمي العام، حيث تحول عنف الشرطة تجاه الأقليات والمهاجرين إلى لغم سياسي يهدد السلم الاجتماعي. ويتجلى ذلك بوضوح في النماذج الدولية الساطعة، بدءا من مقتل الشاب نائل مرزوق في فرنسا سنة 2023 على يد رجال الشرطة وما تلاه من إنفجار شعبي كشف عورة الممارسات التمييزية لدى بعض الأجهزة الأمنية، وصولا إلى واقعة جورجيا فلويد في الولايات المتحدة الأمريكية عام 2020، والتي أثبتت أن تجاوزات رجال الأمن لم تعد شأن محلي مغلق بل قضية رأي عام عالمي تجبر الدول على إعادة النظر في منظوماتها القانونية والتدريبية ذاخل معاهد الشرطة ومختلف الأجهزة الأمنية على حقوق الإنسان والتطبيق السليم للقانون والذي يفرض حماية كرامة وإنسانية كل موقوف .

إننا أمام واقعة تجعل الدبلوماسية المغربية نفسها أمام إختبار حقيقي لمبدأ حماية المواطنين في الخارج، المكرس بالدستور و المعاهدات والاتفاقيات الديبلوماسية الثنائية والمتعددة الأطراف. غير أن القراءة السياسية الواعية تأخذ بعين الإعتبار تعقيدات العلاقات الثنائية والشراكات الاستراتيجية بين الرباط وروما في مجالات الطاقة وضبط تدفقات الهجرة والتعاون الأمني والتبادل التجاري. ومن هذا المنطلق فإن تحرك الدبلوماسية المغربية يقتضي إدارة هادئة وحازمة في الآن ذاته، تتفادى الاصطدام الدبلوماسي المباشر الذي قد يستغله اليمين المتطرف في بروباغندا سياسية، وتتجنب في الوقت نفسه الصمت الذي قد يفسره أعداء الوطت بالإستهانة بكرامة المواطن، الأمر الذي يتطلب إعتماد إستراتيجية التفعيل التدريجي لأدوات الضغط القانوني والدبلوماسي. يبتدئ ذلك عبر المطالبة الرسمية بتقرير شامل وعاجل عن ملابسات الواقعة وتنصيب القنصلية المغربية كطرف متابع يوفر الدعم القانوني لعائلة الضحية ومراقبة عمل المدعي العام الإيطالي عن كثب، لضمان عدم سلك سيناريو الإفلات من العقاب. وفي حال الوقوف على أي محاولة للمماطلة أو توفير الغطاء القضائي للجناة، فينبغي الإنتقال نحو تفعيل آليات الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، عبر إرسال مذكرات تفصيلية للمقرر الخاص المعني بالأشكال الحديثة للعنصرية، والمقرر الخاص المعني بحالات الإعدام خارج نطاق القضاء. دون أن نغفل ما يتطلبه الحادث المأساوي من ضرورة كسر كل صمت حقوقي وإعلامي و بناء تحالفات إستراتيجية مع منظمات المجتمع المدني الإيطالية المناهضة للعنصرية، مثل منظمة أنتاغوني Antigone والجمعية الإيطالية للدراسات القانونية حول الهجرة ASGI وجمعيات المحامين المغاربة بإيطاليا، لخلق جبهة حقوقية وسياسية داخل إيطاليا تنادي بالعدالة وتمنع تحويل الملف إلى مجرد حادث فردي.

ختاما، إن المعركة الحقيقية مع صعود التيارات اليمينية في أوروبا تتطلب حماية الجاليات وعلى رأسها الجالية المغربية، ليس فقط عبر التحركات الإنفعالية الضرفية عقب الحوادث، بل من خلال إدراج بند صريح لحظر التمييز وحماية الحقوق الأساسية ضمن كافة الاتفاقيات الثنائية للأمن والهجرة، والتأكيد على أن كرامة المواطن المغربي وأمنه جزء لا يتجزأ من سيادة الدولة وموقعها الإقليمي والدولي .

د/ الحسين بكار السباعي
دكتور في الهجرة والاعلام وحقوق الإنسان.
محلل سياسي وخبير إستراتيحي
مدير قطب إفريقيا والتعاون الدولي.
المركز الدولي للأمن والهجرة والتنمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
ر

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock