منوعات

أحزاب بلا مناضلين ، وديمقراطية بلا سياسة .

هنا 24 / عبد الصادق النوراني .
لم يعد السؤال في المغرب هو من سيفوز في الانتخابات ؟ بل أصبح من سيسقط هذه المرة بالمظلة على رأس حزب سياسي ليقوده نحو السلطة دون أن يقطع ولو مترا واحدا في مسار النضال الحزبي ؟
لقد أفرز المشهد السياسي خلال السنوات الأخيرة ظاهرة تستحق التوقف عندها ، وهي انتقال شخصيات تكنوقراطية أو إدارية إلى واجهة الأحزاب في لحظات حاسمة لتتولى قيادتها أو تصبح واجهتها الانتخابية في مشهد يطرح أكثر من علامة استفهام حول معنى العمل الحزبي وجدوى الانخراط السياسي .
فالأحزاب في التجارب الديمقراطية الراسخة ليست مجرد يافطات انتخابية أو وسائل للوصول إلى السلطة ، بل هي مدارس للتكوين السياسي ومختبرات لإنتاج الأفكار ومؤسسات لتأهيل القيادات عبر سنوات من النضال والتدرج وتحمل المسؤولية . أما حين يتحول الحزب إلى منصة جاهزة لاستقبال شخصيات تأتي من خارج هياكله لتعتلي قمته مباشرة ، فإن الرسالة التي تصل إلى الشباب المناضل هي أن سنوات الالتزام والاجتهاد لا تساوي شيئا أمام منطق الاستقطاب الظرفي .
أين هي اليوم شبيبات الأحزاب المغربية التي كانت مصنعا حقيقيا للنخب السياسية ؟ أين ذلك الزمن الذي كانت فيه الشبيبة الاتحادية وغيرها من التنظيمات الحزبية تخرج أسماء صنعت جزءا مهما من الحياة السياسية والفكرية المغربية من قبيل عبد الهادي خيرات ومحمد الساسي والبوبكري وحسن طارق، وأحمد رضى الشامي وغيرهم من الكفاءات التي تشكلت داخل المدرسة الحزبية قبل أن تصل إلى مواقع المسؤولية ؟
إن الديمقراطية لا تقاس فقط بصناديق الاقتراع ، وإنما أيضا بطريقة إنتاج النخب وتجديدها . وحين تصبح القيادة الحزبية نتيجة توافقات فوقية أو استقطابات ظرفية ، يفقد الحزب إحدى أهم وظائفه وهي صناعة القيادات السياسية من داخل صفوفه .
ولا يتعلق الأمر برفض الكفاءات القادمة من خارج الأحزاب ، فالمجال السياسي يحتاج إلى الخبرة كما يحتاج إلى الفكر ، وإنما الإشكال يبدأ عندما يصبح الاستثناء قاعدة وعندما يشعر آلاف المناضلين بأن أبواب القيادة موصدة في وجوههم بينما تفتح على مصاريعها لمن لم يعش يوما تفاصيل العمل الحزبي ولم يشارك في معاركه اليومية .
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي نظام حزبي ليس ضعف الأحزاب فحسب ، بل فقدان المواطنين ثقتهم في جدوى الانتماء إليها . فإذا كان الوصول إلى قمة الحزب لا يمر عبر النضال والتدرج والكفاءة السياسية وإنما عبر اعتبارات أخرى ، فما الذي سيدفع الشباب إلى الانخراط أصلا ؟
إن المغرب وهو يراكم إصلاحاته المؤسساتية في حاجة أيضا إلى إصلاح عميق للحياة الحزبية ، يعيد الاعتبار للتكوين السياسي ويمنح شبيبات الأحزاب المكانة التي تستحقها ويجعل المسؤولية ثمرة لمسار نضالي واضح لا نتيجة هبوط مفاجئ بالمضلة من خارج المؤسسات الحزبية .
فالسياسة لا تبنى بالاختصارات ، والأحزاب لا تستعيد هيبتها إلا عندما تؤمن بأن أبناءها أولى بقيادتها ، وأن الديمقراطية تبدأ أولا من داخل البيت الحزبي قبل أن تُمارس في صناديق الاقتراع .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
ر

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock