مقالات و آراء

من موقف الحكومة إلى عقيدة الدولة، المأسسة الجيوسياسية للإعتراف الكولومبي بمغربية الصحراء.

شكل الإعلان التاريخي لجمهورية كولومبيا بسحب إعترافها بالكيان الإنفصالي الوهمي، وتأكيدها الصريح على سيادة المملكة المغربية على صحرائها، ذلك المنعطف الجيوستراتيجي الفاصل في مسار النزاع الإقليمي المفتعل، والخطوة الفارقة في التوازنات السياسية على الساحة اللاتينية. إن هذا التطور المعلن عنه و بالتزامن مع تسلم الإدارة الكولومبية الجديدة لمقاليد السلطة بحضور دبلوماسي مغربي رفيع، لا يعكس مجرد تعديل عابر في المقاربة الخارجية لبوغوتا، بل يجسد انتقال بنيوي حاسم من دائرة الإرتهان للإيديولوجيا السياسية التي طبعت المرحلة السابقة، إلى مربع البراغماتية والواقعية الشاملة التي تبحث عن المصلحة الوطنية الإستراتيجية، حيث أدركت المؤسسات الكولومبية العميقة أن إستدامة مصالحها وتمددها نحو الفضاء الإفريقي يمر بالضرورة عبر الشريك الأكثر إستقرار وموثوقية في المنطقة والذي تجسده المملكة المغربية.

هذا التحول الكولمبي يحمل في جوهره قراءة سياسية عميقة لتفكك المعاقل التقليدية، التي طالما راهنت عليها الأطروحة الإنفصالية صنيعة الجزائر. فكولومبيا بوزنها الإقليمي وصفتها كصانعة قرار رئيسية في أمريكا الجنوبية، تقود اليوم حراك ينهي حقبة الإستقطاب الأيديولوجي لصالح دبلوماسية الربح المشترك والمبادرات الأطلسية جنوب جنوب. لقد تجاوز اليوم هذا المعطى التكتيكي حدود العلاقات الثنائية لتقاطع الرؤى بين المبادرة الملكية للأطلسي والموقع الجغرافي المتميز لكولومبيا كمنفذ على المحيطين الهادئ والأطلسي، مما يفتح آفاق إقتصادية غير مسبوقة تجعل من المغرب بوابة بوغوتا نحو العمق الإفريقي، ومن كولومبيا منصة إرتكاز للمغرب داخل تكتلات الأنديز والكاريبي، وهو ما يدعم الدينامية الأممية ويعزز الزخم الدولي المتزايد لصالح مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
ليبقى الرهان الإستشرافي الأهم وحسب وجهة نظرنا المتواضعة، في هذه المرحلة يتجسد في إنتقال هذا الموقف الإستراتيجي من مجرد موقف حكومي يخضع لتقلبات الإرادات السياسية والعمليات الإنتخابية إلى موقف دولة صلب وناجز. ويقتضي هذا التحدي تحصين الإعتراف الكولومبي بشكل مؤسساتي عبر المأسسة التشريعية، وترجمته إلى شبكة معقدة ومتشابكة من المصالح الحيوية والمتبادلة في مجالات الأمن السيبراني، ومكافحة الجريمة المنظمة والطاقات المتجددة والأمن الغذائي.

ختاما، إن إعتراف كولومبيا بسيادة المغرب على صحرائه يفتح اليوم للبلدين الطريق نحو بناء جدار متين من المصالح الملموسة والتي ستنتج أثر جيوسياسي يشبه أثر الدومينو على بقية دول المنطقة المتذبذبة المواقف، ليرسخ واقع جديد يضيق الخناق الدبلوماسي على الطروحات الإنفصالية، ويؤكد أن سيادة المغرب على أراضيه باتت المحدد الأساسي والموجه الأول لبناء أي شراكة دولية جادة ومستدامة وقوية.

د/ الحسين بكار السباعي
محلل سياسي وخبير إستراتيجي.
مدير قطب إفريقيا والتعاون الدولي.
المركز الدولي للأمن والهجرة والتنمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
ر

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock