منوعات

نواكشوط.. مؤتمر السيرة النبوية يبحث الهدي النبوي في إدارة الاختلاف وتحويل التنوع إلى تكامل

 

تواصلت، الثلاثاء 15 سبتمبر 2026 بالعاصمة الموريتانية نواكشوط، أعمال الدورة التاسعة والثلاثين من مؤتمر السيرة النبوية، الذي ينظمه التجمع الثقافي الاسلامي في موريتانيا وغرب افريقيا برئاسة فضيلة الشيخ محمد الحافظ النحوي، ومشاركة علماء وباحثين وأئمة ومفكرين من موريتانيا وعدد من الدول العربية والإفريقية والإسلامية، تحت الرعاية السامية للرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، وبإشراف وزارة الشؤون الإسلامية والتعليم الأصلي. وتناول المشاركون خلال جلسة علمية موضوع «الهدي النبوي في إدارة الاختلاف: كان الناس أمة واحدة فاختلفوا»، مستحضرين نماذج من السيرة النبوية في التعامل مع التنوع الديني والفكري والاجتماعي.

وفي مداخلته، أكد الدكتور مصطفى زهمني، رئيس المجلس العلمي لجهة بني ملال خنيفرة بالمغرب، أن الانتفاع الحقيقي من السيرة النبوية يقتضي التعامل معها بمنهج محكم، باعتبارها تجربة إنسانية وحضارية تجمع بين الوحي والواقع، وتتسم بالشمول والتكامل. وأبرز أن السيرة تمثل مصدرًا للمعرفة في مجالات متعددة، ومعيارًا للإنصاف والإصلاح، ومنهجًا لفهم الإنسان ومقاصد وجوده، مؤكدًا أن من أبرز رسائلها ترسيخ التعارف وتبادل المعرفة وبناء علاقات قائمة على المعروف والتعاون.

من جانبه، شدد الشيخ محمد أديب ياسر جي من سوريا على أن إدارة التنوع لا تتحقق بالخطاب وحده، وإنما تحتاج إلى مؤسسات وقواعد عملية، مستعرضًا مبادئ نبوية من أبرزها تكريم الإنسان، والإقرار بالاختلاف كسنة كونية، ونفي الإكراه، وإقامة العدل والإحسان، وتوثيق العهود، وتوسيع دائرة الرحمة لتشمل المخالف. واستحضر صحيفة المدينة نموذجًا لتنظيم التعايش وحفظ الحقوق في مجتمع متعدد المكونات.

أما الشيخ عيسى أولاد البكاي من الجزائر، فأبرز أن المنهج النبوي أحسن توظيف اختلاف القدرات والمواهب، مستشهدًا بنماذج زيد بن ثابت وخالد بن الوليد وأبي عبيدة، وباستفادة النبي صلى الله عليه وسلم من مقترح سلمان الفارسي في غزوة الخندق. وخلص إلى أن التنوع يمكن أن يتحول إلى قوة جماعية متى قام على العدالة والإدماج والاستفادة من خبرات الآخرين.

بدوره، أوضح الدكتور عبد العزيز قاسم من السعودية أن تجربة المدينة المنورة تؤكد أن الوحدة لا تعني إلغاء الاختلاف، بل يمكن بناؤها على الاعتراف بالتعدد وتنظيم العلاقات والوفاء بالعهود، مستحضرًا وثيقة المدينة نموذجًا لذلك، ومؤكدًا أن الأخلاق والقيم الإنسانية أوسع من الانتماءات المذهبية.

وفي السياق ذاته، تناول الشيخ بشيروا ساندرا من ساحل العاج البعد الأخلاقي في إدارة الاختلاف، مؤكدًا أن الهدي النبوي أسس للرحمة والرفق ونهى عن العنف والاعتداء، سواء تجاه النساء أو غير المسلمين أو المخطئين، مستشهدًا بعدد من المواقف النبوية التي تعكس صيانة الدماء وحفظ الكرامة الإنسانية واعتماد اللين في معالجة الأخطاء.

وأكد الدكتور التجاني سيد علي من الجزائر أن السيرة النبوية ليست مجرد سرد للأحداث، وإنما منهج قادر على تحويل الاختلاف من مصدر للتعصب إلى مدخل للتنوع والتكامل. ودعا إلى التمييز بين الاختلاف الطبيعي والخلاف الذي يتحول إلى نزاع، معتبرًا أن استعادة المنهج النبوي في الحوار والتواصل يمكن أن تساعد الأمة على تحويل التباين إلى قوة حضارية.

من جهته، أكد الشيخ زكريا صبرا من ساحل العاج أن الاختلاف في المسائل الاجتهادية سنة كونية، وأن تعدد الآراء يمكن أن يكون مصدرًا للتيسير ورفع الحرج إذا ظل منضبطًا بالثوابت الشرعية وقواعد العلم. واستشهد بقصة اختلاف الصحابة في فهم توجيه النبي صلى الله عليه وسلم في قضية بني قريظة، مؤكدًا أن إقرار النبي لاجتهاد الفريقين يمثل نموذجًا في احترام الرأي السائغ ونبذ التعصب، مع تقديم وحدة الأمة ومقاصد الشريعة على الخلافات الجزئية.

وفي مداخلة بعنوان «كيف أدار المنهج النبوي الاختلاف؟»، أكد الدكتور علي قسم الله مريود، عضو هيئة علماء السودان والمحاضر بجامعة رحمة العالمين في تايلاند، أن المنهج النبوي يقدم نموذجًا متكاملًا في الحوار وإدارة التباين بالحكمة والرحمة. واستحضر أسلوب النبي صلى الله عليه وسلم في الإنصات للشاب الذي استأذنه في الزنى، ومبدأ الشورى في غزوة الخندق، ووثيقة المدينة، إلى جانب مواقف أخرى تؤكد رفض الغلو والتشدد واحترام الاختلاف الاجتهادي بين العلماء.

وتقاطعت المداخلات حول خلاصة واحدة مفادها أن الاختلاف في ذاته ليس المشكلة، وإنما تكمن الإشكالية في طريقة إدارته؛ فالسيرة النبوية تقدم نماذج لتحويل التنوع إلى تعارف، والاختلاف إلى تكامل، والتباين إلى مجال للحوار والتعاون، مع الحفاظ على العدل والرحمة والحقوق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
ر

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock