مجالس وطنية بلا قرار.. لماذا تجتمع إذا كان القرار محسوما؟

بقلم: أمين شطيبة
في خضم المشاورات السياسية التي تفرضها المرحلة الراهنة، برزت ظاهرة تستحق أكثر من مجرد المرور عليها مرور الكرام، إذ أعلن عدد من أعضاء المجالس الوطنية لمختلف الأحزاب المغربية عن توجههم نحو منح تفويض واسع لأمنائهم العامين لتدبير مرحلة المشاورات، واتخاذ ما يرونه مناسباً من قرارات باسم الهيئات الحزبية.
قد يبدو الأمر، في ظاهره، إجراءً تنظيمياً عاديا، تفرضه طبيعة المرحلة والحاجة إلى مرونة وسرعة في اتخاذ القرار، فالأمين العام هو المسؤول التنفيذي الأول داخل الحزب، ومن الطبيعي أن تكون له صلاحيات تمكنه من التفاوض والتفاعل مع المستجدات.
لكن خلف هذا التبرير التنظيمي يبرز سؤال سياسي وديمقراطي أكثر عمقا: ما الجدوى من المجالس الوطنية للأحزاب إذا انتهت اجتماعاتها في كل محطة سياسية حساسة إلى منح الأمين العام تفويضا مفتوحا لاتخاذ القرار؟
السؤال لا يستهدف حزبا بعينه، ولا أمينا عاما دون غيره وإنما يتعلق بوظيفة المؤسسات الداخلية للأحزاب ومدى قدرتها على ممارسة دورها الحقيقي في صناعة القرار.
فالمجلس الوطني ليس مجرد هيئة تستدعى للاجتماع عندما تقتضي الضرورة، ولا مجرد محطة تمنح من خلالها الشرعية التنظيمية لقرارات القيادة، بل يفترض في الأصل أن يكون فضاء للنقاش السياسي وتعدد الآراء وتقييم الخيارات ومساءلة القيادة والمساهمة في رسم توجهات الحزب خصوصا عندما يتعلق الأمر بقرارات ذات أثر سياسي كبير.
والأهم من ذلك أن أعضاء هذه المجالس ليسوا مجرد أرقام في هيكلة تنظيمية،إنهم يمثلون تيارات وتجارب وقواعد حزبية مختلفة ومن المفترض أن يحمل كل واحد منهم رؤية وموقفا واجتهادا سياسيا يمكن أن يثري القرار الجماعي.
لذلك، فإن السؤال الأكثر إلحاحا ليس لماذا يُمنح الأمين العام التفويض؟ وإنما لماذا لا يكون النقاش داخل المجلس الوطني جزءاً أساسيا من صناعة القرار السياسي نفسه؟
قد تكون هناك مبررات عملية لمنح القيادة هامشا واسعا من الحركة خلال المشاورات، فالمفاوضات السياسية لا تسير دائما وفق أجندة معلنة وقد تتطلب سرعة في التفاعل وسرية في بعض مراحلها وقدرة على اتخاذ قرارات لا تحتمل انتظار اجتماع تنظيمي في كل مرة.
لكن التفويض شيء والتخلي عن الدور السياسي للمؤسسات شيء آخر.
فحين يتحول التفويض من وسيلة لتسهيل عمل القيادة إلى قاعدة دائمة لإدارة القضايا الكبرى يصبح من المشروع التساؤل حول موقع المؤسسات الحزبية من القرار وحول الحدود الفاصلة بين القيادة الفردية والقرار الجماعي.
الأحزاب السياسية، في جوهرها ليست مجرد هياكل انتخابية أو أدوات للوصول إلى المؤسسات، إنها مدارس للممارسة الديمقراطية ومن داخلها يفترض أن يتعلم الأعضاء معنى الاختلاف والحوار والتوافق وتحمل المسؤولية الجماعية.
ومن هنا، فإن قوة الأمين العام لا ينبغي أن تقاس فقط بحجم الصلاحيات التي يمنحها له أعضاء حزبه وإنما أيضا بقدرته على إدارة الاختلاف داخل الحزب وتحويل تعدد الآراء إلى مصدر قوة لا إلى سبب لتهميش المؤسسات.
كما أن أعضاء المجالس الوطنية أنفسهم مطالبون بأن يطرحوا على أنفسهم سؤالاً لا يقل أهمية وهو هل وجودهم داخل هذه المؤسسات يقتصر على منح التفويض أم أن لهم دورا حقيقيا في صياغة المواقف والاختيارات السياسية؟
فالاختلاف داخل الحزب ليس بالضرورة انقساما والنقاش الداخلي ليس بالضرورة تمردا على القيادة وطرح البدائل لا يعني بالضرورة إضعاف الأمين العام, على العكس قد تكون قدرة الحزب على استيعاب الآراء المختلفة أحد أهم مؤشرات حيويته السياسية والتنظيمية.
إن منح التفويض للأمين العام يمكن أن يكون مفهوما في سياقات معينة، لكن الإشكال يبدأ عندما يصبح التفويض هو الإجابة الجاهزة عن كل سؤال سياسي وعندما يتحول المجلس الوطني من فضاء لصناعة القرار إلى فضاء للمصادقة عليه.
وهنا تحديداً تكمن المفارقة، إذا كان أعضاء المجالس الوطنية يملكون الحق في مناقشة القضايا الكبرى، فلماذا لا يستخدمون هذا الحق قبل منح التفويض؟ وإذا كان القرار السياسي سيعود في النهاية إلى الأمين العام فما المساحة المتبقية للقرار الجماعي؟
ربما تحتاج الأحزاب المغربية، في هذه المرحلة إلى إعادة التفكير في معنى التفويض وحدوده، لا إلى إلغائه بالضرورة لأن التفويض المسؤول يفترض أن يكون محدد الأهداف وواضح الصلاحيات ومقترناً بآليات للمساءلة والعودة إلى المؤسسات عند اتخاذ القرارات المصيرية.
أما التفويض المفتوح الذي يمنح القيادة حرية اتخاذ ما تراه مناسباً دون تحديد واضح للحدود أو آليات المراجعة فقد يضعف تدريجيا الدور الفعلي للمؤسسات التي يفترض أن تكون شريكا في صناعة القرار.
في الأخير وليس أخيرا، ليست القضية في شخص الأمين العام ولا في حقه في قيادة المشاورات وإنما في الفلسفة التي تحكم العمل الحزبي نفسه.
فالحزب الذي يريد أن يكون فاعلا في الحياة الديمقراطية الوطنية يحتاج أولاً إلى أن تكون الديمقراطية ممارسة حقيقية داخله، والسؤال الذي يستحق أن يبقى مطروحا أمام كل الأحزاب وليس حزبا بعينه هو هل نريد مجالس وطنية تصنع القرار أم مجالس وطنية تمنح التفويض لصانع القرار؟
بين السؤالين مسافة كبيرة، وفي الإجابة عنهما يتحدد الكثير من معنى الديمقراطية الداخلية للأحزاب ومن ثم جزء مهم من صورة الممارسة السياسية برمتها.



