منوعات

خطبة الجمعة رافعة للإصلاح في خطة «تسديد التبليغ».. من الموعظة إلى صناعة الأثر

كتب – الدكتور حدكي إبراهيم، خطيب المسجد الأعظم بكلميم

ليس خافيا على أولي الألباب أن التبليغ الديني، بما هو فعل من أفعال البيان والهداية والإرشاد والتوجيه، لم يكن في زمن من الأزمنة مجرد عملية لإيصال المعلومة إلى المتلقي، أو نقل الأحكام والمعارف من مجال التداول العلمي إلى مجال التداول العام، وإنما كان ولا يزال فعلا تأسيسيا وبانيا، تتجاوز آثاره وثماره حدود القول إلى مجالات السلوك والأخلاق والعمران، ويتجاوز أثره الفرد إلى الجماعة، ويتصل فيه إصلاح الإنسان بإصلاح ما يحيط به من مجالات الحياة المتعددة.

واهتداء بهذا الفهم ، تأتي خطة «تسديد التبليغ» باعتبارها ورشا يروم إعادة النظر في الفعل التبليغي من حيث مناهجه ووسائله وآلياته ومقاصده ومآلاته، حتى يستعيد الخطاب الديني قدرته على النفاذ إلى أعماق الإنسان، فتتحقق التزكية والتربية والتنمية ، ولا يبقى الدين عنده _أي المتدين_ مجرد معرفة محفوظة، أو موعظة عابرة، أو قول يتردد في مقام من المقامات، أو أنساق معرفية محكومة بسياقات غير ثابتة، وإنما يصير الإيمان فيه قوة دافعة إلى العمل، ويصير العمل الصالح أثرا ظاهرا لذلك الإيمان في السلوك والمعاملة والعلاقة بالناس وبالكون من حوله.

إن الناظر في واقع الناس اليوم، والمتأمل في المسافة التي قد تفصل أحيانا بين ما يقرره الدين من قيم ومبادئ، وبين بعض ما يفرزه الواقع من سلوكيات وممارسات ، لا يسعه إلا أن يتساءل عن مكمن الخلل؛ وسبب الهوة الحاصلة… فكيف يستقيم أن يكون الصدق قيمة مقررة في الخطاب، ثم يظل الكذب حاضرا في المعاملة ! وكيف تكون الرحمة والتعاون والإحسان من أصول الأخلاق، ثم تظهر في المجتمع مظاهر الأنانية والجشع والعنف والانحراف والتفكك والفردانية !

إن هذه المفارقة أو الإزدواجية لا تعني بالضرورة غياب القيم من المجال التداولي، بقدر ما تكشف عن خلل في طريقة استحضارها وتبليغها وتنزيلها، وعن حاجة ملحة إلى إعادة وصل ما انفصل ورتق الفتق الحاصل ، وربط ما تباعد، وجمع ما تفرق بين الإيمان والعمل، وبين المعرفة والسلوك، وبين العبادة ومقاصدها أو ثمراتها في حياة الإنسان.

ولعل هذا من أهم ماترومه خطة «تسديد التبليغ»، إذ إن المقصود ليس أن يزداد الإنسان معرفة بالدين فحسب وبالتركمات المعرفية المجردة، وإنما أن يزداد بالدين صلاحا واستقامة، وأن تنتقل المعاني الإيمانية من مجال التصور إلى مجال السلوك، ومن دائرة القول إلى دائرة الفعل، ومن المعرفة التي تستقر في الذهن إلى القيمة التي تستقر في الوجدان وتظهر آثارها في حركة الإنسان في الحياة، فإذا علم هذا الذي ذكر، فهم سياق استحضار مفهوم «الحياة الطيبة» باعتباره ذا دلالة بالغة؛ إذ ليست الحياة الطيبة، في المنظونة القرآنية، مجرد وفرة في أسباب العيش، ولا مجرد تحقق في بعض مظاهر الرفاه ،أو انغناس في التقنية والرقمنة.. وإنما هي ثمرة من ثمار الإيمان والعمل الصالح، وحصيلة انسجام الإنسان مع مقتضيات فطرته، باعتبارها ذاكرة غيبية روحية، جبل عليها الأنسان منذ أو وهلة.

ولذلك فإن الحديث عن الإيمان والعمل الصالح في خطة «تسديد التبليغ» ليس حديثا عن موضوع من الموضوعات الدينية المستهلكة بزعم بعض القائلين،او تأويل بعض المبطلين.. وإنما هو حديث عن أصل من أصول الإصلاح وعن العلاقة التي ينبغي أن تتواشج بين الاعتقاد والشريعة والسلوك، وبين ما يستقر في القلب وما يصدر عن الجوارح، وبين صلة الإنسان بربه والخلق أجمعين باختلاف ألوانهم وأجناسهم.

إن نجاح العمل التبليغي متوقف إلى حد بعيد على حسن بناء هذا المعنى في نفوس الناس؛ أي بناء العلاقة بين الإيمان والعمل حتى لا يتوهم الإنسان أن التدين ينتهي عند حدود المعرفة أو الشعائر، بل يدرك أن حقيقة الإيمان تستدعي مسؤولية عملية، وأن كلمة التوحيد ليست مجرد قول يقال باللسان، وإنما هي عهد والتزام ومقتضيات وآثار.

فـ«لا إله إلا الله محمد رسول الله» ليست مجرد عبارة تؤدى، وإنما هي أساس لعلاقة الإنسان بربه، ومفتاح للاقتداء بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم جوهرة الوجود، ومنطلق لبناء علاقة الإنسان بالإنسان على مقتضى الرحمة والعدل والإحسان والكرامة، وعلاقته بالكون على مقتضى الأمانة والإعمار.

وإذا كانت الخطبة المنبرية قد احتلت مكانة مركزية في آليات تنزيل خطة «تسديد التبليغ»، فلما لها من خصوصية لا تكاد تتوافر لغيرها من وسائل الخطاب الديني؛ فهي تتكرر في كل أسبوع، وتلتقي فيها جماعات الناس في بيوت الله، ويقبلون عليها في مقام تتهيأ فيه النفوس للتلقي، وتستعد فيه القلوب للسماع، مما يجعلها مجالا رحبا للتوجيه والإرشاد والتذكير والإستمداد ومجالا قادرا على التزكية والتوجيه، متى استقام منهجه وحسن أداؤه على إحداث الأثر في الفرد والمجتمع.

فالخطبة ليست مجرد كلام يلقى على مسامع الناس، وإنما هي مقام من مقامات التوجه إلى الله و بناء الإنسان، وتصحيح التصور، وتقويم السلوك، وحماية الفطرة، وإحياء معاني المسؤولية والكرامة والاستخلاف. وكلما استطاعت الخطبة أن تنقل الدين من دائرة التجريد إلى مجال الحياة، وأن تجعل العبادة خلقا، والإيمان عملا، والمعرفة مسؤولية، كانت أقدر على أداء وظيفتها التبليغية والإصلاحية.

وفي هذا المساق جاءت الخطبة المقترحة والموحدة باعتبارها إحدى الآليات العملية التي تستهدف تسديد الخطاب والتبليغ، وضبط مساره وترشيد موضوعاته، وحمايتها من الفكرانيات التي قد تفضي إلى الاختلال في المضمون أو الانفعال في الأداء أو الخروج عن مقتضيات الحكمة والاعتدال.

و لا ينبغي أن يفهم أن المقصود من توحيد الخطبة هو أن تتحول الخطب إلى مجرد ألفاظ متكررة أو مضامين جامدة بزعم القائلين والمنكرين، وإنما المقصود أن يكون للخطاب الديني إطار ناظم يحفظ وحدته في أصوله وثوابته، ويعين على توجيهه نحو ما يحتاجه الناس، ويضمن انسجامه مع المقاصد الكبرى للدين ومع الثوابت الدينية والوطنية الجامعة التي تراعي السياق والمآل.

وإذا كان المقصود من الدين أن يزكى الإنسان، فإن التبليغ الذي يحمل هذا الدين ينبغي أن يكون قادرا على الوصول إلى الإنسان في مختلف أبعاده؛ في عقله ووجدانه وسلوكه وعلاقاته، وأن يلامس أسئلته الواقعية، وحاجاته الأخلاقية، وانتظاراته الروحية، وآبه بسياقات العصر المتغيرة، حتى لا تبقى المعرفة الدينية منفصلة عن واقع الناس، ولا تبقى القيم التي يقررها الإسلام بعيدة عن مجال الممارسة.

وهنا يظهر أن «تسديد التبليغ» ليس مجرد إصلاح في الوسائل، وإنما هو، في عمقه، إصلاح في العلاقة بين الخطاب وغاياته، وبين المعرفة وأثرها، وبين الإيمان وثمرته، وبين العبادة والسلوك ، فالمطلوب أن ينتقل التبليغ من مجرد إبلاغ القول إلى تحقيق أثره، ومن مجرد تعريف الإنسان بما ينبغي أن يؤمن به إلى مساعدته على أن يعيش مقتضيات ذلك الإيمان، ومن الحديث عن العمل الصالح إلى بناء الإنسان القادر على ممارسته في واقعه اليومي.

وحاصل ماتقدم يمكن القول إن جوهر «تسديد التبليغ» هو أن يستعيد الخطاب الديني وظيفته في صناعة الإنسان الصالح السوي المنتج الذي تحلى بأوصاف التزكية والتربية، وأن يصبح الإيمان فيه باعثا على العمل، والعمل الصالح شاهدا على صدق الإيمان، وأن تعين الخطبة المنبرية على ذلك باعتبارها وسيلة من وسائل بناء هذا الوعي وتقويم السلوك وصيانة الفطرة ونشدات الصلاح والعمران، لكي يخفف عن الناس العبئ ابذي يعيشونها آملا في ان تتحقق الحياة الطيبة بشرطيها : الإيمان والعمل الصالح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
ر

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock