سياسة

محمد أوزين يسائل الحكومة حول “ازدواجية الربح والدعم العمومي” في الإعلام

مكتب القنيطرة/عزيز منوشي

في سياق التحولات الرقمية المتسارعة التي يعرفها المغرب، بات الإعلام يواجه تحديات حقيقية تتعلق بحدود المسؤولية وأخلاقيات الممارسة، خاصة مع صعود منصات رقمية تعتمد على الإثارة والبحث عن نسب المشاهدة، ولو على حساب القيم المهنية والضوابط القانونية.

وقد أفرز هذا الواقع نوعاً جديداً من الفاعلين الإعلاميين الذين يجمعون بين صفة “المنتج” و”الحَكَم”، حيث يقدمون محتوى يثير الجدل ويجذب الانتباه، ثم يمنحون لأنفسهم سلطة تقييمه وتوجيه الرأي العام بشأنه، في غياب أي رقابة مؤسساتية أو مساءلة قانونية واضحة. هذا الوضع يطرح تساؤلات عميقة حول من يملك حق “التصنيف” و”الضبط”، وهي صلاحيات يفترض أن تبقى حصراً بيد مؤسسات الدولة المختصة.

الأكثر إثارة للقلق هو ما يرافق هذا النموذج من مفارقة صارخة: كيف يمكن لمنصة إعلامية أن تحقق أرباحاً ضخمة من نسب المشاهدة والإعلانات، وفي الوقت ذاته تستفيد – بشكل مباشر أو غير مباشر – من الدعم العمومي؟ أليس في ذلك ضرب لمبدأ تكافؤ الفرص، خاصة في ظل معاناة المؤسسات الإعلامية الوطنية من صعوبات مالية تعيق قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه الصحافيين والمهنيين؟

إن الحديث عن إنتاج أعمال إعلامية بتكلفة باهظة، تصل إلى عشرات الملايين للحلقة الواحدة، يقابله عجز عن ضمان الحد الأدنى من الحقوق المهنية للعاملين في القطاع، يكشف عن خلل عميق في منظومة توزيع الموارد والدعم. بل إن هذا الواقع قد يفتح الباب أمام ممارسات غير عادلة، حيث يتم استغلال “الترند” لتحقيق أرباح خيالية، دون تحمل المسؤولية الاجتماعية أو المهنية.

كما أن تقديم محتوى يفتقر أحياناً إلى الجودة، ويعتمد على الإثارة أو ما يمكن وصفه بـ”الرداءة المربحة”، لا يهدد فقط الذوق العام، بل يساهم أيضاً في تمييع الرسالة الإعلامية، وتحويلها من أداة للتنوير إلى وسيلة للربح السريع.

أمام هذه الإشكالات، يصبح من الضروري إعادة النظر في آليات الدعم العمومي، وضمان توجيهه نحو تعزيز إعلام مهني مسؤول، يلتزم بالقانون ويحترم أخلاقيات المهنة. كما تبرز الحاجة إلى إرساء إطار قانوني واضح ينظم عمل المنصات الرقمية، ويحدد مسؤولياتها، بما يضمن حماية المشاهد، وصون المرفق الإعلامي من أي انحراف.

في النهاية، يبقى السؤال المطروح: هل نحن أمام إعلام يخدم الصالح العام، أم أمام صناعة تبحث فقط عن الربح، ولو على حساب القيم؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ملامح مستقبل الإعلام في المغرب، بين الاستمرار في الفوضى الرقمية، أو الانتقال نحو نموذج أكثر توازناً وعدلاً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
ر

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock