منوعات

حين يتحول الدفاع إلى تهمة: محاكمة محامٍ بسبب صوته

مكتب القنيطرة

في مشهد يطرح أكثر من سؤال حول واقع العدالة، يقف الأستاذ محمد الشمسي، المحامي بهيئة هيئة المحامين بالدار البيضاء، أمام محكمة الاستئناف بالدار البيضاء يوم 30 أبريل 2026، ليس بسبب إخلال مهني ثابت، بل نتيجة مواقفه وتدويناته التي نقل فيها معاناة حقيقية عاشها وهو يتتبع مآل شكايات موكليه.

القضية في جوهرها ليست نزاعاً شخصياً، بل تعكس إشكالاً أعمق يتعلق بحدود دور المحامي داخل منظومة العدالة: هل يقتصر دوره على الترافع داخل القاعات، أم يمتد إلى مساءلة الاختلالات حين تعترض طريق تحقيق العدالة؟

ما رواه المعني بالأمر يكشف عن اختلالات مقلقة: شكايات تختفي دون أثر، ملفات لا تحظى بالاهتمام اللازم رغم طابعها الاستعجالي، وقضايا تبقى لسنوات دون حسم رغم أنها مهددة بالتقادم. وضع كهذا لا يمس فقط بحقوق المتقاضين، بل يضرب في العمق الثقة في العدالة نفسها.

أمام هذا الواقع، لم يجد المحامي سبيلاً سوى اللجوء إلى الفضاء الرقمي عبر Facebook، لنقل ما اعتبره “رحلة سيزيفية” بين المكاتب والإدارات. خطوة قد تُقرأ في سياق حرية التعبير، لكنها وُوجهت بشكاية تتهمه بعدم احترام الضوابط المهنية.

غير أن المفارقة تكمن في أن نقيب الهيئة اعتبر ما قام به لا يستوجب المساءلة، وقرر حفظ الشكاية، قبل أن يتم الطعن في قراره، لتتحول القضية إلى محاكمة تضع المحامي نفسه في موقع المساءلة بدل البحث في مضمون الشكايات الأصلية.

هذا التحول يثير تساؤلات جوهرية: هل أصبح التعبير عن اختلالات العدالة مخاطرة مهنية؟ وهل يُعاقَب من يرفع الصوت بدل من يُحقق في مضمون الشكاوى؟

إن الفصل 117 من الدستور واضح في تكريس دور القضاء في حماية الحقوق وضمان الأمن القضائي. غير أن تفعيل هذا المبدأ يظل رهيناً بمدى الانفتاح على النقد المسؤول، واعتبار المحامي شريكاً في تحقيق العدالة لا طرفاً يجب تقييد صوته.

محاكمة محامٍ بسبب تعبيره عن معاناة موكليه قد تُفهم لدى البعض كإجراء قانوني عادي، لكنها لدى كثيرين مؤشر على توتر في العلاقة بين الدفاع وباقي مكونات منظومة العدالة. توتر قد تكون كلفته أكبر من مجرد ملف، لأنه يمس جوهر الثقة في المؤسسات.

في النهاية، لا يتعلق الأمر فقط بمصير محامٍ، بل بسؤال أكبر: هل يمكن للعدالة أن تتطور دون أن تسمع أصوات من داخلها، حتى وإن كانت مزعجة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
ر

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock