مقالات و آراء

السيادة الاستراتيجية للمغرب، التحول الصناعي والتكنولوجي في المجال الدفاعي

د/ الحسين بكار السباعي محلل سياسي وخبير إستراتيجي مدير قطب إفريقيا والتعاون الدولي.المركز الدولي للأمن والهجرة والتنمية.

بين التأسيس في 14 ماي 1956 و التحديث في العقد الثالث من الألفية الثالثة، لم تعد القوات المسلحة الملكية مجرد مؤسسة عسكرية تقليدية لحماية الحدود وصون التغور، بل أضحت النواة الصلبة والمختبر السيادي الأول الذي صهر إرادات المغرب السكري المستقل في بوتقة وطنية واحدة. لقد نجحت هذه المؤسسة وتحت شعارها الخالد الله الوطن الملك، إلى أن تتحول لصمام أمان للدولة المغربية في أدق منعطفات تاريخها المعاصر، منتقلة بذكاء إستراتيجي من مرحلة تثبيت أركان الدولة إلى مرحلة تكريس الخبرة الميدانية التي أبهرت العالم في ملاحم الصحراء المغربية.
إن المتأمل في مسار الجيش المغربي يكشف عن عبقرية في التكيف الميداني، فالجدار الدفاعي بالصحراء لم يكن مجرد حائط رملي بل كان مدرسة لإبتكار الحلول الهندسية والاستراتيجية التي غيرت موازين القوى الإقليمية، وهي ذاتها التي منحت الجندي المغربي صفة سفير السلم العالمي في بعثات حفظ السلام الأممية، حيث تزاوجت الصرامة والخبرة العسكرية بالبعد الإنساني النبيل والشريف. وها هو العالم اليوم يشهد بأن المؤسسة العسكرية المغربية تقود ثورة صامتة تنقلها من منطق تراكم العتاد والسلاح إلى إستراتيجية التفوق النوعي والردع الذكي، في عالم لم تعد فيه الحروب تكسب بكثرة الحيوش وتنوع السلاح وحدهما، بل بالبيانات الخوازمية والذكاء الإصطناعي، وهو ما يتجلى في الإنفتاح النوعي للقوات المسلحة الملكية على تكنولوجيات الدرونات والأقمار الصناعية الإستخباراتية ( محمد السادس 1و 2) وأنظمة الدفاع السيبراني المتطورة.
وفي قراءة استشرافية دقيقة يتضح أن المملكة ولجت عصر السيادة الاستراتيجية من بابها الواسع عبر توطين الصناعات الدفاعية، محولة القوات المسلحة من مستهلك للتكنولوجيا إلى منتج ومبتكر لها. إن النجاح في تصنيع أول طائرة مسيرة مغربية والقدرة على تحديث مدرعات M113A3 محليا وتحويلها إلى منصات قتالية ذكية، يمثلان الإعلان ابصريح عن الإنتقال من لوجيستيك الصيانة والتركيب إلى هندسة التصنيع الدقيق. هذا التحول لا يقتصر على الجانب الميكانيكي، بل يمتد لامتلاك تقنية الخوارزميات السيادية والشيفرات المصدرية للمعلومة، مما يضمن إستقلالية القرار العسكري ويحصن غرف العمليات التابتة والمتنقلة برا وبحرا وجوا من أي إختراق خارجي و لتصبح المملكة المغربية الحائز الإقليمي على نظام بيئي دفاعي متكامل يربط البحث العلمي بالصناعة الميدانية.
إن مستقبل القوات المسلحة الملكية يرتسم اليوم كقوة إقليمية ضامنة للإستقرار في الفضائين الأطلسي والإفريقي، مستندة إلى عقيدة رقمية سيبرانية قادرة على المناورة والإختراق في المناطق الرمادية للحروب الهجينة.
كما أنه ومن خلال تنويع الشراكات الإستراتيجية وإمتلاك أدوات الردع النشط تكرس المملكة موقعها كقطب تكنولوجي يجمع بين حكمة التجربة التاريخية وعنفوان الإبتكار الرقمي، مؤكدة أن القوة الحقيقية في العصر الحديث تكمن في القدرة على التحكم في المعلومة وتشفيرها بقدر ما تكمن في القدرة على الدفاع عن الأرض.
ويكتمل هذا المشهد الاستثنائي بنموذج يرتكز على ثلاثية الكفاءة الميدانية والعمق التكويني الأكاديمي العالي والالتزام الإنساني، حيث أثبت الجيش المغربي عبر مناورات الأسد الإفريقي إحترافية تضاهي معايير التحالفات العسكرية الكبرى مثل حلف الناتو ، خبرة عسكرية تغذيها رؤية إستراتيجية تصاغ داخل الكلية العليا للدراسات العسكرية بالقنيطرة لتكوين عقول سيادية تدير أعقد الملفات الجيوسياسية. وتتجلى عظمة هذه المؤسسة في قدرتها على المزاوجة بين الحداثة التكنولوجية والقيم الأصيلة كما حدث في ملحمة زلزال الحوز حين تحول الجندي المغربي إلى قوة إغاثة تلتحم بنبض الشعب.
ختاما والمناسبة شرط، تأتي المصادفة التاريخية بين الذكرى السبعين لتأسيس القوات المسلحة الملكية وتعيين صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير مولاي الحسن منسقا لهذه المؤسسة العريقة والعظيمة، لتجسد رؤية ملكية تربط أصالة العرش العلوي بروح العصر وتطوراته، وتدشن حقبة من التحديث النوعي بضخ دماء شابة تواكب التحولات العسكرية التقنية المعاصرة، مؤكدة جاهزية المملكة لرفع تحديات القرن الحادي والعشرين بآليات مرنة وقوة مؤسساتية متجددة، تضمن استدامة الأمن القومي المغربي تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
ر

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock