
هنا 24 / عبد الصادق النوراني .
هناك حدودا لا ينبغي تجاوزها في الرياضة بصفة عامة وفي كرة القدم على وجه الخصوص، أولها احترام التاريخ وثانيها الاعتراف بالفضل لأصحابه . أما أن تتحول بعض المنابر الإعلامية وبعض الأصوات المحسوبة على التحليل الرياضي إلى منصات للتطاول على أسماء صنعت مجداً كرويا لبلد بأكمله ، فذلك لا يعكس إلا أزمة في ثقافة الاعتراف وبلادة في فهم خبايا كرة القدم .
لقد أصبح من المؤسف أن يجد المدرب المغربي نفسه كلما حقق إنجازا في بلد عربي مطالبا ليس فقط بالفوز ، بل أيضا بالدفاع عن تاريخه أمام حملات تنكر الجميل . وما تعرض له الحسين عموتة بعد أن قاد الأردن إلى إنجاز تاريخي ببلوغ نهائي كأس آسيا ، ثم ما تعرض له جمال السلامي رغم مساهمته في مواصلة البناء يتكرر اليوم مع أسطورة حراسة المرمى الإفريقية والعربية بادو الزاكي قبل أن يبدأ في عمله .
ولعل ما ينبغي أن يعرفه الجميع أن بادو الزاكي ليس مدربا يبحث عن أي منصب كيفما كان . فهو اسم صنع مجده لاعبا ومدربا ، وتاريخه وكاريزميته يسمحان له باختيار وجهته بعناية . ومن الصعب تصور قبوله تدريب منتخب لم يرسخ بعد مكانته قاريا أو عالميا لولا وجود رغبة ودعم من جهات عليا في المملكة الأردنية الهاشمية وبالضبط الأسرة الملكية التي تدرك قيمة المدرسة التدريبية المغربية وما يمكن أن تضيفه لكرة القدم الأردنية خاصة بعد التجارب الناجحة التي بصم عليها كل من الحسين عموتة وجمال السلامي .
حقيقة قد تبدو قاسية للبعض ، لكنها تظل حقيقة ، هي أن المنتخب الأردني قبل قدوم المدرسة المغربية لم يكن ضمن القوى الكروية المؤثرة في آسيا ، ولم يكن اسما يرشح للمنافسة على التأهل إلى كأس العالم . وما تحقق في السنوات الأخيرة ليس صدفة ولا معجزة ، بل ثمرة فكر كروي مغربي حديث حمله مدربون مغاربة اشتغلوا بعلم وخبرة وانضباط فحوّلوا منتخبا عاديا إلى منتخب ينافس كبار القارة ويحلم بالمونديال .
ولا ينتقص هذا الكلام من قيمة اللاعب الأردني أو شغف الجماهير الأردنية ، لكنه يضع الأمور في نصابها . فالمنتخبات لا تصنع تاريخها بالشعارات، وإنما بالعمل ، والأردن بدأ يكتب أجمل فصول تاريخه الكروي عندما التقت موهبة لاعبيه بالفكر التدريبي المغربي .
إن الإساءة إلى بادو الزاكي ليست إساءة إلى شخصه فقط ، بل هي إساءة إلى مدرسة تدريبية أثبتت نجاحها داخل المغرب وخارجه ، وإلى مدربين حملوا صورة الكرة المغربية بكل كفاءة واقتدار . ومن حق الجماهير أن تنتقد الأداء والنتائج ، لكن ليس من حق أحد أن يمحو التاريخ أو يقلل من قيمة الرجال الذين صنعوا الإنجاز .
ويبقى السؤال المشروع ، أين كان المنتخب الأردني قبل عموتة والسلامي والزاكي ؟ وما هي إنجازاته القارية والعالمية قبل أن تضع المدرسة المغربية بصمتها الواضحة على مسيرته ؟
إن الإجابة عن هذا السؤال وحدها كفيلة بإعادة النقاش إلى حجمه الطبيعي بعيدا عن المزايدات والانفعالات التي لا تصنع منتخبا ولا تحفظ جميلا .
فالأساطير لا تحتاج إلى شهادات حسن سيرة من أحد ، لأن التاريخ هو الشاهد الأصدق والإنجاز هو اللغة التي لا يستطيع المزايدون تزويرها .



