أزمة سبتة المحتلة : قانون تجنيس الصحراويين يشعل التوتر بين المغرب وإسبانيا

مولاي إسماعيل علوي طاهيري
في مشهد يستحضر أزمة 2021، شهدت مدينة سبتة المحتلة أواخر شهر يوليوز 2026 (تحديداً بين 28 و31 يوليوز) تدفقات هجرة متصاعدة وموجات عبور صُنفت كأحد أكبر التحديات الأمنية التي تواجهها إسبانيا على حدودها الجنوبية. وتجمع مصادر إعلامية إسبانية على أن هذه التطورات ليست وليدة الصدفة، بل يربطها تطور جيوسياسي مباشر يحمل أبعاداً خطيرة على السيادة المغربية، حيث أقرّت لجنة العدل في البرلمان الإسباني مشروع قانون يمنح الجنسية للصحراويين المولودين قبل 11 غشت 1977، مع تصويت نهائي مرتقب في الجلسة العامة المقررة في 10 شتنبر 2026. ويأتي هذا التصويت بعد أكثر من عام من تعطيل حزب العمال الاشتراكي الإسباني الحاكم للمشروع، قبل أن يتراجع تحت ضغط حلفائه.
تفاصيل التصويت: انقسام إسباني وتواطؤ صامت
أسفر التصويت في لجنة العدل بمجلس النواب الإسباني عن 19 صوتاً مؤيداً، و3 أصوات معارضة، و15 امتناعاً. وشكّل حزب العمال الاشتراكي الإسباني (PSOE) وحزب سومار (Sumar) اليساري، صاحب المبادرة الأصلية، الكتلة الداعمة الأساسية للقانون، إلى جانب أحزاب يسارية وإقليمية أخرى [1].
وفي المقابل، فضّل الحزب الشعبي (PP)، أكبر أحزاب المعارضة اليمينية، الامتناع عن التصويت رغم تحفظاته السابقة، وهو ما يُقرأ من طرف محللين كتواطؤ صامت، إذ لو أراد الحزب إسقاط النص لصوّت ضده، لكنه فضّل عدم إحراج الحكومة الاشتراكية في ملف حساس. وانضم إلى الامتناع حزب Junts (معاً من أجل كتالونيا)، الحزب القومي الكتالاني، للحفاظ على توازناته التحالفية مع الحكومة في قضايا أخرى [1].
أما حزب Vox اليميني المتطرف، فكان الصوت المعارض الرئيسي، لكنه لم يملك الوزن العددي الكافي في اللجنة لعرقلة المشروع. وهكذا، مُرّر القانون بكتلة اليسار الأساسية وبامتناع اليمين والقوميين الكتالان، مما منحه شرعية أوسع وأظهر أن البرلمان الإسباني يتجه لتمرير خطوة تُقرأ مغربياً كتحدٍ للسيادة الترابية [1][2].
وتشير التقديرات والبيانات الصادرة حول نص المبادرة إلى أن القانون قد يطال عشرات الآلاف من المستفيدين (تصل بعض التقديرات المرفقة في المبادرة إلى نحو 80,000 شخص)، مع تخفيض مدة الإقامة المطلوبة لأبنائهم من عشر سنوات إلى سنتين فقط، ليصل العدد الإجمالي إلى قرابة 200,000 شخص، مما يضمن استمرارية الجنسية لأجيال قادمة، ويُرسّخ وجود جالية صحراوية إسبانية داخل الإقليم [2].
أزمة سبتة: رد مباشر على استفزاز قانوني
وعقب اندلاع التطورات الحدودية بسبتة في 28 يوليوز، أجمعت مصادر إعلامية وتحليلية إسبانية في تغطياتها الصادرة بين 30 يوليوز و3 غشت 2026 على أن قانون التجنيس الصادر في 23 يوليوز كان هو السبب الجذري والشرارة المباشرة للتصعيد [3][4]. ففي تحليل لها، أكدت الصحافية بياتريس ميسا عبر برنامج “La Tarde” على إذاعة COPE الإسبانية، أن القانون يُمثّل جرحاً عميقاً في العلاقات الثنائية وتآكلاً للسيادة المغربية، مشيرة إلى أن الرباط لن تعترف رسمياً باستخدام الحدود كورقة ضغط، بل ستنسِب الضغوط الهجرية إلى شبكات الإجرام أو وسائط التواصل الاجتماعي، لكن جوهر المشكلة يكمن في محاولة البرلمان الإسباني التشريع لرعايا في إقليم سيادي [4].
كما صرّح ممثل جبهة البوليساريو في إسبانيا، عبد الله عرابي، لموقع Confidencial Digital، بأن “كل ما يتعلق بالصحراء يثير هذه الأمور”، محذراً من أن المصادقة النهائية على القانون في شتنبر قد تؤدي إلى رد فعل حاسم من المغرب عبر التحكم في التدفقات الحدودية، مضيفاً أن الملف ليس أزمة هجرة عابرة بل له دلالات سياسية عميقة [5].
من جهتها، صنّفت صحيفة 20minutos المصادقة على قانون التجنيس كأحد الأسباب المحتملة والشرارة الرئيسية للأزمة الراهنة، إلى جانب التحركات الدبلوماسية والاتفاقيات الاقتصادية بين مدريد والجزائر [3].
القراءة المغربية: الشراكة التزام بثوابت ومصالح الطرفين
ترى الرباط في هذا التحرك التشريعي تكتيكاً غير مقبول ومناورة مكشوفة الأهداف، لعدة اعتبارات أساسية:
أولاً: استخدام مصطلح “الشعب الصحراوي” في النص القانوني، رغم محاولة الحزب الاشتراكي PSOE تعديله إلى “السكان”، إلا أن التعديل رفض، مما يمنح النص اعترافاً ضمنياً بكيان سياسي مستقل داخل تراب تعتبره المغرب جزءاً لا يتجزأ من أراضيها الشرعية والتاريخية والوطنية، وهو ما يشكل خرقاً للقانون الدولي وتجاوزاً للالتزامات الإسبانية تجاه وحدة المغرب الترابية.
ثانياً: استثناء قانوني غير مبرر، إذ لم تُطبّق إسبانيا مبدأً مشابهاً على ساكنة منطقة الريف أو مستعمراتها السابقة في أمريكا اللاتينية وغينيا الاستوائية، مما يؤكد أن القرار ذو دوافع سياسية بحتة، وليس تصحيحاً لوضع تاريخي كما تدعي مدريد.
ثالثاً: خلق وضع قانوني دائم، حيث انتقال الجنسية للأبناء يمنح مدريد ذريعة مستقبلية للتدخل “لحماية مواطنيها” في الإقليم، وهو ما يُقرأ في الرباط كمخطط استعماري جديد يُبقي النزاع مفتوحاً.
من يقف وراء المناورة؟
المبادرة التشريعية لم تصدر بقرار مباشر من رأس الحكومة الإسبانية، بل جاءت بمبادرة ودفع من حزب Sumar اليساري المتطرف، الشريك في الائتلاف الحكومي، حيث مارست نائبته ذات الأصول الصحراوية تش سيدي ضغوطاً مكثفة لإقراره. وقد أشار النائب عن حزب Izquierda Unida، إنريكي سانتياغو، إلى أن القانون كان متعثراً بسبب تحفظات داخل الحزب الاشتراكي PSOE خشية التبعات الدبلوماسية مع المغرب، قبل أن يتم تشكيل أغلبية برلمانية دافعة لنقله نحو الجلسة العامة [6].
واللافت أن التحالف الداعم للقانون يضم تيار اليسار الراديكالي الداعم للطرح الانفصالي في الصحراء المغربية، بينما يقف اليمين موقف الامتناع والفرجة، في مشهد يعكس استغلالاً إسبانياً لهذا الملف كورقة ضغط في توقيت دقيق تزايد فيه الحشد الدولي لصالح المبادرة المغربية للحكم الذاتي الموسع [2][5].
خلاصة: سبتة جرس إنذار
ما شهدته الأيام الأخيرة ليس مجرد حدث هجرة عابر، بل هو جرس إنذار لمدريد بأن تجاوز الخطوط الحمراء في ملف الصحراء المغربية يترتب عنه واقع ميداني مباشر. فقانون التجنيس، الذي تُحلله الرباط كمحاولة لتقويض السيادة وإبقاء النزاع مفتوحاً، يواجه بقواعد تعامل مغربية حازمة تعيد تذكير مدريد بحدود الشراكة الأمنية والسياسية.
ومع نقل القانون للجلسة العامة في البرلمان الإسباني للتصويت في شتنبر، يتحول التوتر إلى واقع ملموس يحتم على إسبانيا إدراك أن التلاعب بالملفات السيادية للمغرب يُعيد إحياء أزمات دبلوماسية كانت المنطقة في غنى عنها [3][4][5].
المصادر والمراجع :
[1] 20minutos (23 يوليوز 2026) – تفاصيل التصويت في لجنة العدل ومواقف الكتل البرلمانية الإسبانية من مشروع قانون التجنيس.https://www.20minutos.es/nacional/congreso-avanza-ley-para-dar-nacionalidad-hasta-80-000-saharauis-sumar-presiona-para-llevarla-pleno-julio_7008817_0.html [2] Infobae / EFE (23 يوليوز 2026) – تقرير حول موافقة اللجنة وإحالة القانون للجلسة العامة وتقديرات أعداد المستفيدين.
https://www.infobae.com/espana/agencias/2026/07/23/la-ley-de-nacionalidad-saharaui-ira-al-pleno-del-congreso-tras-aprobarse-el-dictamen/ [3] 20minutos (23 يوليوز 2026) – قراءة تحليلية في التوترات الحدودية والأسباب السياسية المرتبطة بمشروع القانون.
https://www.20minutos.es/internacional/caso-ghali-crisis-ceuta-cinco-anos-luces-sombras-relacion-entre-espana-marruecos_7022472_0.html [4] COPE / Beatriz Mesa (30 يوليوز و3 أغسطس 2026) – التغطية والتحليل الميداني للصحفية بياتريس ميسا من Castillejos حول الربط السياسي بين القانون وأزمة سبتة.
https://www.cope.es/programas/la-tarde/noticias/beatriz-mesa-periodista-castillejos-marruecos-gobierno-marroqui-no-reconocera-oficialmente-abierto-frontera-medida-presion-diferencia-crisis-2021-20260803_3414665.html [5] Confidencial Digital (24 يوليوز / أغسطس 2026) – تصريحات ممثل البوليساريو عبد الله عرابي والتفاعلات الإعلامية مع الموقف المغربي.
https://www.elconfidencialdigital.com/articulo/politica/que-provoco-invasion-ceuta-polisario-recuerda-apoyo-psoe-ley-nacionalidad-saharaui/202608050500001034718.html [6] El Independiente (22 يوليوز 2026) – تصريحات إنريكي سانتياغو (IU) وحركية المبادرة داخل البرلمان الإسباني.
https://www.elindependiente.com/espana/2026/04/16/iu-ya-mira-a-los-votos-del-pp-como-alternativa-si-sanchez-sigue-bloqueando-la-ley-de-nacionalidad-para-los-saharauis/

حاصل على الإجازة المهنية في الصحافة متعددة الوسائط من جامعة ليل
دبلوم الصحافة من المدرسة العليا للصحافة بليل ESJ LILLE
شهادة الكفاءة المهنية كمدير إنتاج من المعهد الوطني للسمعي البصري INA PARIS



