مقالات و آراء

بين الوقائع التنظيمية وخطاب التشكيك.. حزب الاستقلال أكبر من التأويلات المغرضة

بقلم: نجيب نحاس، عضو المجلس الوطني لحزب الاستقلال
ليس من الموضوعية في شيء أن تتحول الاختلافات المفترضة والتأويلات غير المستندة إلى معطيات موثوقة إلى حقائق جاهزة، تقدم للرأي العام باعتبارها كواليس مؤكدة للصراعات داخل الأحزاب السياسية. فالممارسة السياسية الرصينة تقتضي التمييز بين الوقائع التنظيمية الثابتة وبين الروايات التي تحاول صناعة الخلافات وتضخيمها خارج سياقها الحقيقي.
وتبعا لدورة المجلس الوطني لحزب الاستقلال المنعقدة يوم 3 أكتوبر 2026، وبعد الاستماع إلى عرض الأخ الأمين العام للحزب، الدكتور نزار بركة، صادق المجلس بالإجماع على تفويضه قيادة المشاورات السياسية واتخاذ ما يراه مناسبا بشأن مشاركة الحزب في الحكومة المغربية المقبلة. وهي محطة تنظيمية واضحة في دلالاتها، تعكس احترام المؤسسات الحزبية والاحتكام إلى قراراتها، بعيدا عن الروايات التي تحاول تصوير الأمر وكأنه صراع على الصلاحيات أو انتزاع لقرار الحزب من قيادته.
وبصفتي عضوا بالمجلس الوطني، أؤكد أن ما ورد في المقال المتداول بشأن وجود خلافات حادة بين الأخوين نزار بركة ومولاي حمدي ولد الرشيد، أو الحديث عن إضعاف صلاحيات الأمين العام وإخضاعه لإرادة أطراف أخرى، لا يعكس المعطيات التنظيمية التي أفرزتها دورة المجلس الوطني، ولا يستند، في ما قدمه من استنتاجات، إلى ما يثبت تلك الادعاءات. فالاختلافات المزعومة لا تصبح حقيقة لمجرد صياغتها بلغة حادة أو تقديمها في قالب يوحي بالاطلاع على أسرار القيادة.
إن قيادة حزب الاستقلال، في تعدد مسؤولياتها ومواقعها، تظل مطالبة بالعمل في إطار المؤسسات والقرارات الجماعية، بعيدا عن محاولات افتعال التناقضات بين مكوناتها. كما أن الأسماء القيادية التي جرى الزج بها في هذه الرواية بعيدة عن منطق الخلافات والمزايدات التي يحاول المقال الترويج لها، وهي معنية، كل من موقعه، بحمل المشروع الوطني والاجتماعي للحزب والدفاع عن اختياراته ومصالحه، في إطار وحدة الصف واحترام المؤسسات.
ومن المؤسف أن تتحول بعض الكتابات إلى منصات لتوزيع الاتهامات وإصدار الأحكام على القيادات، دون تقديم معطيات موثقة تسند ما تذهب إليه. فالنقد السياسي حق مشروع، بل ضرورة لتطوير العمل الحزبي، غير أن النقد شيء، وبناء روايات عن الانقلابات التنظيمية والهيمنة وفقدان الشرعية شيء آخر. وبينهما مسافة لا يمكن تجاوزها إلا بالحجة والدليل واحترام ذكاء الرأي العام.
ولا يمكن، في هذا السياق، فصل بعض القراءات المتداولة عن النجاح الانتخابي الذي حققه حزب الاستقلال بالأقاليم الجنوبية للمملكة، وما أثاره من اهتمام داخل المشهد السياسي. فمن الطبيعي أن تثير النتائج السياسية والانتخابية نقاشا وتنافسا، لكن من غير الموضوعي اختزالها في صراعات شخصية أو تحويلها إلى ذريعة لترويج تأويلات تتحدث عن صراعات داخلية دون سند واضح. وقد تكون بعض هذه السرديات تعبيرا عن حسابات سياسية ضيقة أو مواقف افتراضية، غير أن الحكم على النيات يظل أقل أهمية من الاحتكام إلى الوقائع والنتائج المعلنة.
وفي هذا الإطار، يظل الأخ مولاي حمدي ولد الرشيد فاعلا سياسيا وتنظيميا وازنا، ورقما صعبا في المعادلات الحزبية والسياسية، بالنظر إلى حضوره ومساره وتجربته في العمل الحزبي، وهي معطيات لا تلغي مكانة باقي القيادات ولا تبرر تصوير العلاقة بينها باعتبارها صراعا دائما على النفوذ. فالحزب الذي راكم تاريخا وطنيا واجتماعيا يمتد لعقود لا يمكن اختزال مساره في أسماء أو تأويلات ظرفية، كما أن قوة قيادته تقاس بقدرتها على تدبير الاختلاف داخل المؤسسات وخدمة المشروع المشترك.
إن حزب الاستقلال، بتاريخه ورصيده الوطني والاجتماعي، أكبر من أن تختزله مقالات تقوم على فرضيات الصراع والتنازع. والمرحلة الراهنة تقتضي توحيد الجهود، وتقييم الاستحقاقات الانتخابية بمسؤولية، وتصحيح الاختلالات حيثما وجدت، والاستعداد للاستحقاقات المقبلة بروح جماعية تستحضر انتظارات المواطنين ومصالح الوطن.
وخلاصة القول، إن مخرجات المجلس الوطني هي المرجع في ما يتعلق بالقرارات التنظيمية والسياسية للحزب، وإن التفويض الذي حظي به الأمين العام بالإجماع يشكل معطى واضحا ينبغي الانطلاق منه عند مناقشة موضوع المشاورات الحكومية. أما ما عدا ذلك من حديث عن صراعات حادة واختطاف للقرار وهيمنة مطلقة، فيظل مجرد ادعاءات تحتاج إلى أدلة تثبتها، ولا يجوز تقديمها باعتبارها حقائق محسومة.
فالدفاع عن حزب الاستقلال لا يكون بإنكار حق النقد، وإنما بالتمسك بالوقائع، واحترام المؤسسات، والتصدي لكل خطاب يحاول تعويض الحجة بالتأويل، وجعل الاختلاف المفترض حقيقة قبل إثباته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
ر

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock