مقالات و آراء

العذر أقبح من الزلة

 

عبد الصادق النوراني .
في مشهد بئيس يكرس بؤس أخلاق سياسيي آخر الزمان ، خرج علينا عبد الإله بن كيران باعتذار مقتضب موقع باسمه حول كلمة شادة بئيسة وسوقية قالها أثناء مهرجان خطابي له بمدينة الصويرة قاصدا بها مستشاري جلالة الملك فؤاد عالي الهمة وأندري أزولاي وآخرين من محيط جلالته فيما زكى باقي ما قاله في الخطاب .
لكن المشكلة هنا ليست في كلمة (قندوح) أو غيرها من الأوصاف التي أثارت الجدل ، وإنما في الخطاب الذي جعل مثل هذه المفردات جزءا من القاموس السياسي . فالعرب قالت قديما (العذر أقبح من الزلة) ، لأن الاعتذار يفقد قيمته عندما يأتي بعد سلسلة طويلة من التجاوزات وكأنه محاولة لترميم صورة لم يعد يجدي معها التجميل .
المفارقة أن هذا الخطاب يصدر عن إبن كيران الرجل الذي ظل لسنوات يقدم نفسه باعتباره خريج حركة دعوية مر من شبيبتها الإسلامية وأمين عام لحزب ذي مرجعية إسلامية وواعظًا اعتلى منابر الجمعة في أكثر من مرة يدعو الناس إلى مكارم الأخلاق . فأينه من قوله تعالى (ولا تنابزوا بالألقاب) ؟ وأينه من قوله سبحانه (ولقد كرمنا بني آدم ) ؟ وأينه من هدي الرسول صلى الله عليه وسلم في مخاطبة المخالفين بالحكمة والرفق ؟
السياسة ليست مباراة في إطلاق النعوت ولا مهرجانا للتهكم والسخرية ، بل هي مسؤولية تفرض على صاحبها أن يسمو بخطابه خصوصًا إذا سبق له أن قاد الحكومة وتولى تدبير شؤون الدولة . فحين يستبدل السياسي الحجة باللقب والفكرة بالإساءة فإنه لا يهزم خصومه بل يهدم ما تبقى من ثقة المواطنين في العمل السياسي .
لقد اختار معظم رؤساء الحكومات المغاربة السابقين أن يغادروا المشهد بهدوء ووقار تاركين أعمالهم تتحدث عنهم ، أما أن يبقى مسؤول سابق حاضرا في كل مناسبة بخطاب يثير الانقسام ويغذي الاحتقان فذلك لا يليق بصورة رجل دولة ، ولا يخدم هيبة المؤسسات .
والأكثر إثارة للاستغراب أن يحدث كل ذلك بينما يستفيد إبن كيران من امتيازات لم توفرها الدولة لرؤساء الحكومات السابقين ، وهي امتيازات يمولها دافعو الضرائب الذين ينتظرون من السياسيين أن يكونوا قدوة في الرصانة وضبط النفس ، لا في الانزلاق إلى قاموس لا يختلف كثيرا عن لغة المقاهي والحانات .
إن المغرب اليوم في حاجة إلى خطاب سياسي يعيد الاعتبار للأخلاق لا إلى خطابات تؤسس للابتذال . فالتاريخ لا يخلد من أكثر من توزيع الألقاب على خصومه ، وإنما يخلد من احترم الناس وارتقى بالكلمة، وترك وراءه إرثا من الحكمة لا من الضجيج .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
ر

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock