مجتمع

من يقتل ما تبقى من ألعاب القوى المغربية ؟

هنا 24 / عبد الصادق النوراني .

في الوقت الذي كان من المفروض أن يتأهب الجميع لاستعادة ألعاب القوى المغربية شيء من بريقها المفقود، بعد الإنجاز العالمي الذي حققه العداء البريطاني في سباق الميل وتحطيمه رقما قياسيا صمد سبعة وعشرين عاما ؛ تعيش الساحة الوطنية على وقع جدل جديد يطرح أكثر من علامة استفهام حول طريقة تدبير الإدارة التقنية الوطنية لملفات العدائين وحول المعايير التي تعتمدها في اختيار ممثلي المغرب في المحافل الدولية .
فقد أصدر نادي ملوية العليا لألعاب القوى ببومية بيانا استنكاريا كشف من خلاله عن استبعاد العداء الدولي عبد الغفور أحيزون من المشاركة في بطولة العالم بالولايات المتحدة الأمريكية رغم تحققه الحد الأدنى المؤهل وتسجيله لأفضل توقيت وطني هذا الموسم وهو ما اعتبره النادي قرارا مجحفا لا ينسجم مع أبسط مبادئ الإنصاف الرياضي .
ولم يكن تضامن عصبة مكناس تافيلالت وعدد كبير من الأندية الوطنية مع العداء مجرد موقف عاطفي ، بل كان رسالة واضحة مفادها أن الرياضة لا يمكن أن تبنى على الاجتهادات الشخصية أو القرارات الغامضة ، وإنما على معايير واضحة وشفافة يخضع لها الجميع دون استثناء .
إن القضية هنا لا تتعلق بعداء واحد ، وإنما بصورة ألعاب القوى المغربية بأكملها . فحين يشعر الرياضي بأن تحقيق الحد الأدنى والتفوق الوطني لا يكفيان لضمان حقه في تمثيل بلده فإن الرسالة التي تصل إلى بقية العدائين هي أن الإجتهاد وحده لم يعد كافيا ، وأن هناك اعتبارات أخرى قد تكون أقوى من لغة التوقيت والإنجاز .
ومن هنا يبرز السؤال الكبير ، أين الإدارة التقنية الوطنية ؟ وأين توضيحاتها للرأي العام الرياضي ؟ وإذا كانت هناك مبررات تقنية أو قانونية لهذا الاستبعاد فلماذا لم يتم الإعلان عنها بكل شفافية حتى يقتنع الجميع بعدالة القرار ؟ أما إذا لم تكن هناك مبررات مقنعة ، فإن الصمت لا يزيد إلا من اتساع دائرة الشك وفقدان الثقة .
لقد تأخرت ألعاب القوى المغربية كثيرا ، ولم يعد بالإمكان إرجاع هذا التراجع إلى نقص الإمكانيات فقط . فالبلدان التي تنافس اليوم على الألقاب العالمية لم تصل إلى ذلك بالصدفة ، وإنما عبر الحكامة الجيدة واحترام الكفاءة وتكافؤ الفرص ووضع الرياضي في صلب المشروع الرياضي .
أما عندنا ، فما تزال الخلافات والقرارات المثيرة للجدل تتكرر من موسم إلى آخر حتى أصبح الحديث عن إقصاء هذا العداء أو تهميش ذلك المدرب خبرا مألوفا في وقت تنتظر فيه الجماهير المغربية رؤية أبطال جدد يعيدون أمجاد نوال المتوكل وسعيد عويطة وهشام الكروج وخالدالسكاح وصلاح حيسو وخالد بولامي وإبراهيم لحلافي وغيرهم كثر .
إن الإدارة التقنية الوطنية مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بالخروج عن صمتها وتقديم توضيح رسمي للرأي العام الرياضي ، لأن الشفافية ليست منة بل واجب تجاه العدائين والأندية والجمهور . كما أن الجامعة الملكية المغربية لألعاب القوى مطالبة بدراسة الملتمس الذي تقدمت به الأندية بعين الإنصاف حفاظا على مصداقية المنافسة وعلى حقوق الرياضيين .
فالأبطال لا يصنعون فقط في المضامير ، بل تصنعهم أيضا مؤسسات عادلة تؤمن بأن ساعة التوقيت هي الحكم الوحيد بين العدائين ، وأن من يستحق حمل القميص الوطني هو من يثبت ذلك بالأرقام لا بأي معيار آخر .
ويبقى الأمل أن تتحول هذه القضية إلى فرصة حقيقية لمراجعة أساليب تدبير ألعاب القوى الوطنية ، لأن الرياضة التي تقصى فيها الكفاءات وتغيب عنها الشفافية ، لا يمكنها أن تستعيد أمجادها مهما امتلكت من مواهب . فالمغرب لا تنقصه الطاقات ، وإنما يحتاج إلى إدارة تجعل الاستحقاق فوق كل اعتبار والعدل فوق كل حساب .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
ر

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock