مجتمع

حين ينهض الأمل من جديد… مدارس الفرصة الثانية الجيل الجديد تصوغ مستقبلا آخر للإنسان

إعداد: السيدة عتيقة أزولاي
باحثة في سلك الدكتوراه بكلية علوم التربية التابعة لجامعة محمد الخامس بالرباط
رئيسة مصلحة الارتقاء بتدبير المؤسسات التعليمية بالأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين بجهة مراكش آسفي
ليست المدرسة، في أسمى تجليات رسالتها، مجرد مؤسسة لتلقين المعارف أو فضاء لاكتساب المهارات، بل هي مشروع حضاري تتقاطع فيه رهانات الدولة مع تطلعات المجتمع، وتتجسد فيه أسمى معاني الإنصاف والعدالة الاجتماعية. وحين تتسع هذه الرسالة لتحتضن أولئك الذين باغتتهم ظروف الحياة بالانقطاع عن الدراسة، فإنها تتحول إلى جسر تعبر عليه الأحلام المؤجلة نحو مستقبل أكثر إشراقا، وتغدو المدرسة فضاء لاستعادة الثقة، وإعادة بناء الإنسان، وصناعة الأمل من جديد. و من هذا الأفق الإنساني العميق، احتضنت الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة مراكش آسفي، يوم الثالث والعشرين من يوليوز 2026، أشغال الملتقى الجهوي السنوي الأول لمراكز الفرصة الثانية – الجيل الجديد، تحت شعار “معاً نصنع فرصة جديدة… ونبني مستقبلاً أفضل”، في تظاهرة تربوية وتنموية كبرى تزامنت مع الاحتفالات المخلدة للذكرى السابعة والعشرين لتربع صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، على عرش أسلافه المنعمين، لتؤكد، مرة أخرى، أن الاستثمار في الإنسان يظل الخيار الاستراتيجي الأسمى لبناء مغرب الإنصاف والكفاءة والكرامة. ولم يكن هذا الملتقى مجرد موعد مؤسساتي لتقديم حصيلة الإنجازات أو استعراض المؤشرات الرقمية، بل شكل لحظة وطنية بامتياز لاستحضار التحولات التي شهدها هذا الورش الإصلاحي، والوقوف عند أثره العميق في إعادة تشكيل المسارات الدراسية والمهنية لفئات واسعة من الأطفال واليافعين الذين وجدوا في مدارس الفرصة الثانية نافذة جديدة نحو التعلم، وفضاء رحباً لاستعادة الثقة بالذات، والانخراط مجدداً في مشروع حياة أكثر استقراراً وإنتاجية.
ويندرج تنظيم هذا الملتقى في صميم تنزيل التوجيهات الملكية السامية، وتجسيداً لأهداف خارطة الطريق 2022-2026، التي جعلت من محاربة الهدر المدرسي، وترسيخ الإنصاف وتكافؤ الفرص، والارتقاء بالرأسمال البشري، مرتكزات استراتيجية للإصلاح التربوي. وهي رؤية تؤمن بأن التنمية الحقيقية تبدأ من الإنسان، وأن المدرسة تظل الرافعة الأساسية لبناء مجتمع المعرفة، وترسيخ قيم المواطنة، وتحقيق الإدماج الاقتصادي والاجتماعي. وخلال أشغال الملتقى، استعرض المتدخلون المرجعيات المؤطرة لهذا الورش الوطني الطموح، وناقشوا المؤشرات المرتبطة بظاهرة الانقطاع عن الدراسة بجهة مراكش آسفي، كما سلطوا الضوء على المقاربة الاستباقية التي تعتمدها الأكاديمية في مواجهة هذه الظاهرة، من خلال منظومة متكاملة تقوم على الرصد المبكر، والمواكبة الفردية، والدعم التربوي والنفسي والاجتماعي، وتنشيط الحياة المدرسية، وتعبئة الأسر والشركاء، بما يجعل الوقاية من الهدر المدرسي مسؤولية جماعية تتقاسمها مختلف المؤسسات والفاعلين.وقد كشفت الحصيلة الجهوية لمراكز الفرصة الثانية – الجيل الجديد عن نتائج نوعية تؤكد نجاعة هذا النموذج التربوي المبتكر، إذ تضم الجهة واحدا وعشرين مركزاً تستقبل أكثر من ألفين وأربعمائة مستفيدة ومستفيد، في إطار شبكة واسعة من الشراكات المؤسساتية و الجمعوية، أسهمت في تحقيق نسبة إدماج بلغت ستة وسبعين في المائة ضمن مسارات التعليم النظامي، فيما بلغت نسبة الإدماج في سوق الشغل والتكوين المهني وإحداث المشاريع المدرة للدخل ثمانية وثمانين في المائة، وهي مؤشرات تعكس الأثر التحويلي العميق لهذه المؤسسات في إعادة رسم المسارات التعليمية والمهنية، وتحويل الانقطاع عن الدراسة من نهاية مؤلمة إلى بداية واعدة لحياة جديدة.
ولأن الرؤية الاستراتيجية للأكاديمية تقوم على استشراف المستقبل أكثر من الاكتفاء بتدبير الحاضر، فقد تم الكشف عن تصور تطويري جديد يهدف إلى توسيع شبكة مدارس الفرصة الثانية لتبلغ ستة وأربعين مركزاً ابتداءً من الموسم الدراسي 2026-2027، بما سيرفع الطاقة الاستيعابية إلى أكثر من أربعة آلاف مستفيدة ومستفيد، مع إحداث الأقسام الانتقالية بإعداديات الريادة، وإطلاق أقسام رقمية بالمناطق النائية والدواوير البعيدة، والانفتاح على المؤسسات السجنية، بما يعزز العدالة المجالية ويكرس مبدأ تكافؤ الفرص، ويوسع دائرة الاستفادة لتشمل مختلف الفئات التي تستحق فرصة جديدة لبناء مستقبلها.ولأن نجاح السياسات العمومية رهين بقوة الشراكات وتكامل الأدوار، فقد شهد الملتقى توقيع اتفاقية شراكة بين الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة مراكش آسفي والاتحاد الوطني لنساء المغرب، في خطوة تعكس وعياً متقدماً بأهمية تعبئة مختلف الفاعلين من أجل توسيع العرض التربوي، وتعزيز برامج المواكبة والتأهيل والإدماج، مع إيلاء عناية خاصة بالفتيات المنقطعات أو المهددات بالانقطاع عن الدراسة، انسجاماً مع الجهود التي تبذلها الأكاديمية في إطار برنامج مواكبة الفتيات القرويات خلال مرحلة الانتقال من التعليم الابتدائي إلى التعليم الإعدادي، والذي يستفيد منه حوالي ستة آلاف فتاة، بما يسهم في تعزيز استمرارية التمدرس وترسيخ مبادئ الإنصاف المجالي والعدالة الاجتماعية.
وفي السياق ذاته، أبرزت أشغال الملتقى أن نجاح مدارس الفرصة الثانية لا يستند إلى مجهود قطاع التربية الوطنية وحده، بل يقوم على منظومة متكاملة من الشراكات الاستراتيجية التي تجعل الإدماج مسؤولية وطنية مشتركة. وفي هذا الإطار، قدم السيد وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بمراكش، ممثلاً لرئاسة النيابة العامة، مداخلة نوعية أبرز فيها الأدوار المحورية التي تضطلع بها المؤسسة القضائية في حماية الحق في التمدرس، من خلال مواكبة الأطفال في وضعية هشاشة، وتسوية إشكالات الحالة المدنية، والتصدي لظاهرة تزويج القاصرات، ومحاربة مختلف أشكال العنف ضد النساء والأطفال، باعتبارها عوامل ترتبط ارتباطاً مباشراً باستقرار المتعلمين وضمان استمرارهم في الدراسة.كما أكد المشاركون أن هذه الدينامية المؤسساتية تتعزز بانخراط التعاون الوطني، وقطاع التكوين المهني، والجماعات الترابية، والقطاعات الحكومية، والفاعلين الاقتصاديين، وجمعيات المجتمع المدني، في إطار مقاربة تشاركية تجعل الإنسان محور التنمية وغايتها، وتسعى إلى توفير مسارات متعددة للتأهيل والإدماج الاجتماعي والاقتصادي، بما يحول مدارس الفرصة الثانية إلى فضاءات حقيقية لإعادة بناء المسارات، وحواضن للأمل، ومشاتل لصناعة المستقبل.ولم يكن هذا الملتقى مناسبة لاستعراض الأرقام والمؤشرات فحسب، بل تحول إلى احتفاء صادق بقصص النجاح الإنسانية. فمن خلال فقرة “مسارات”، اعتلى عدد من المستفيدات والمستفيدين السابقين منصة الشهادة، ليحكوا، بصدق مؤثر، كيف استطاعت مدارس الفرصة الثانية أن تعيد تشكيل حياتهم، وأن تفتح أمامهم آفاقاً جديدة للتعلم والتكوين والإدماج المهني، وأن تحول لحظة الانكسار إلى قصة نجاح ملهمة تؤكد أن الإرادة، متى وجدت من يحتضنها، قادرة على صناعة المعجزات.
كما شهد اللقاء تتويج عدد من المستفيدات والمستفيدين المتفوقين، وتكريم الأطر التربوية والإدارية وشركاء المنظومة على مستوى الأكاديمية والمديريات الإقليمية، اعترافاً بما بذلوه من جهود مخلصة لإنجاح هذا الورش الوطني، وترسيخاً لثقافة الاعتراف التي تجعل من كل نجاح ثمرةً لعمل جماعي تتضافر فيه الإرادات، وتتقاطع فيه الكفاءات، وتتكامل فيه المسؤوليات.لقد حمل هذا الملتقى رسالة بليغة مفادها أن الفرصة الثانية ليست بديلاً عن فرصة ضاعت، ولا تعويضاً عن ماضٍ تعثر، وإنما هي إعلان متجدد بأن الإنسان قادر على النهوض كلما وجد من يؤمن بإمكاناته. إنها فلسفة تربوية تجعل من المدرسة فضاءً لإحياء الأمل، ومن المعرفة طريقاً للكرامة، ومن الإدماج بوابةً للمواطنة الكاملة، ومن الاستثمار في الإنسان أساساً لكل مشروع تنموي مستدام.واختتمت أشغال الملتقى في أجواء وطنية مفعمة بمشاعر الوفاء والاعتزاز، بتلاوة برقية الولاء والإخلاص المرفوعة إلى السدة العالية بالله، صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، تجديداً لأواصر البيعة والوفاء للعرش العلوي المجيد، وتجسيداً للعزم الراسخ على مواصلة الانخراط المسؤول في الأوراش الإصلاحية الكبرى التي يقودها جلالته، إيماناً بأن بناء الإنسان يظل أعظم استثمار، وأن التربية والتكوين يشكلان الدعامة الحقيقية لمغرب أكثر ازدهاراً وإنصافاً وريادة.
وفي النهاية، يبقى الرهان الحقيقي لمدارس الفرصة الثانية أكبر من مجرد استدراك تعلمات فاتت أو معالجة انقطاع عابر؛ إنه رهان على الإنسان في جوهره، وعلى قدرته الدائمة على البدء من جديد. فحين تلتقي الإرادة السياسية بالرؤية التربوية، وتتآزر المؤسسات والشركاء حول مشروع مجتمعي جامع، تتحول الفرصة الثانية إلى ميلاد أول، ويغدو التعليم رسالة للتحرر، وجسراً نحو الكرامة، ومنارة تهدي الأجيال إلى مستقبل يصنعه العلم، وتصونه القيم، وتزدهر فيه الأوطان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
ر

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock