مستشفى الحسن الثاني بفاس والرقمنة الغائبة.. لماذا يُجبر المواطن على السفر من العيون للحصول على ملف طبي؟

في الوقت الذي تتجه فيه المؤسسات والإدارات عبر العالم نحو الرقمنة وتبسيط الخدمات وتقريب الإدارة من المواطن، ما زالت بعض الإجراءات داخل القطاع الصحي بالمغرب تطرح علامات استفهام كبيرة حول مدى استفادة المواطن فعلياً من هذا التحول الرقمي.
القضية تتعلق بـالمركز الاستشفائي الجامعي الحسن الثاني بفاس، حيث يجد مواطن مقيم بمدينة العيون نفسه أمام مسطرة تتطلب منه التنقل إلى فاس من أجل متابعة إجراءات الحصول على ملف طبي يتعلق بوالده المتوفى.
السؤال هنا ليس ضد المؤسسة الصحية ولا ضد موظفيها، وإنما هو سؤال مشروع حول طريقة تقديم الخدمة العمومية:
لماذا لا يستطيع المواطن، متى استوفى الشروط القانونية وأثبت صفته وهويته، أن يقدم طلب الحصول على الملف الطبي عن بُعد، ويتابع مسطرته إلكترونياً، دون أن يضطر إلى قطع مئات الكيلومترات؟
المواطن بين الورق والسفر
المواطن الذي يفقد أحد أفراد أسرته يعيش أصلاً ظروفاً نفسية صعبة، ولا ينبغي أن تتحول الإجراءات الإدارية المرتبطة بالوفاة إلى عبء إضافي.
السفر من العيون إلى فاس يعني تكاليف مالية، ووقتاً، وتنقلاً، وربما أياماً من الانتظار، في حين أن التكنولوجيا اليوم تسمح بإرسال الوثائق والتحقق من الهوية وتبادل المراسلات بشكل سريع وآمن.
صحيح أن الملف الطبي يخضع للسرية وحماية المعطيات الشخصية، وهذا أمر لا خلاف عليه.
لكن حماية السرية لا تعني بالضرورة أن الحل الوحيد هو الحضور الشخصي للمواطن.
أين وصلت الرقمنة الصحية؟
المغرب يتحدث منذ سنوات عن تحديث الإدارة والانتقال الرقمي، كما أطلقت وزارة الصحة والحماية الاجتماعية مشاريع مرتبطة بالرقمنة والملف الطبي.
لكن المواطن يريد أن يرى هذه الرقمنة في الواقع، داخل المستشفى وفي علاقته اليومية بالإدارة.
فالرقمنة الحقيقية تعني أن المواطن يستطيع تقديم طلبه إلكترونياً، وإرفاق الوثائق المطلوبة، وإثبات صفته القانونية، ثم معرفة مآل طلبه والحصول على الوثائق بالطريقة التي يحميها القانون.
أما أن تبقى الرقمنة مجرد شعارات ومشاريع بينما يظل المواطن مضطراً للسفر بين المدن من أجل وثيقة، فإن السؤال يصبح مشروعاً:
أين هي الإدارة الرقمية التي وُعد بها المواطن؟
لا نطالب بتجاوز القانون
المطلب ليس تجاوز القانون، ولا الحصول على ملف طبي بطريقة غير قانونية.
المطلوب هو العكس تماماً: وضع مسطرة إلكترونية رسمية وآمنة تحترم سرية الملفات الطبية وتتحقق من هوية طالب الوثيقة وصفته القانونية.
إذا كان حضور المواطن ضرورياً في حالة معينة، فليكن ذلك بناءً على مقتضى واضح ومبرر.
أما إذا كان بالإمكان قانوناً معالجة الطلب عن بُعد، فلماذا يُترك المواطن أمام خيار السفر لمسافات طويلة؟
الإصلاح يبدأ من التفاصيل
كثرة الأحزاب والبرامج السياسية لا تكفي وحدها للحكم على مستوى الإصلاح.
المواطن يقيس الدولة أيضاً من خلال تفاصيل بسيطة في حياته اليومية:
هل يستطيع الحصول على وثيقة دون عناء؟
هل تجيبه الإدارة؟
هل يستطيع تقديم طلبه إلكترونياً؟
هل يستطيع تتبع ملفه من منزله؟
وهل تحترم الإدارة وقته وكرامته؟
هذه هي الأسئلة التي تهم المواطن.
رسالة إلى إدارة مستشفى الحسن الثاني ووزارة الصحة
إن المطالبة اليوم ليست فقط بحل حالة فردية، وإنما بفتح نقاش حول رقمنة مسطرة الحصول على الملفات الطبية بالمؤسسات الاستشفائية الجامعية.
ومن حق المواطن أن يعرف:
هل توجد خدمة إلكترونية رسمية لطلب الملف الطبي؟
وإذا كانت موجودة، فلماذا لا يتم تعميمها وتوضيح شروط استعمالها للمواطنين؟
وإذا لم تكن موجودة، فلماذا لا يتم إطلاقها؟
فالمواطن الموجود في العيون أو الداخلة أو طنجة لا ينبغي أن يشعر بأن بُعده الجغرافي عن فاس يعني بالضرورة صعوبة الوصول إلى الإدارة.
التكنولوجيا يفترض أن تقرّب الإدارة من المواطن، لا أن تجعل المواطن يسافر خلف الإدارة.
وفي النهاية، فإن احترام المواطن لا يبدأ فقط داخل قاعة العلاج، بل يبدأ أيضاً من طريقة تعامل الإدارة معه عندما يطلب حقاً مشروعاً، خصوصاً عندما يكون هذا الطلب مرتبطاً بملف طبي لشخص فقد حياته.
نريد رقمنة حقيقية، إدارة قريبة، ومساطر واضحة تحفظ القانون وتحترم كرامة المواطن.
بقلم: عزيز منوشي
صحافي وفاعل حقوقي



