مجتمع

جامع أغرابي.. حين تصبح حصيلة تغجيجت جوازَ عبور من تدبير الجماعة إلى رهان التمثيل البرلماني

من منطق الوعود إلى منطق النتائج.. ومن التجربة المحلية إلى الترافع عن كلميم وادنون

في الانتخابات، يمكن لأي مرشح أن يعد بالمستقبل.
يمكن لأي حزب أن يرفع شعاراً جذاباً.
ويمكن لأي حملة أن تصنع صورة انتخابية لافتة.

لكن هناك سؤالاً واحداً يصعب الهروب منه:

ماذا أنجزت عندما كانت بين يديك مسؤولية حقيقية؟

من هذه الزاوية تحديداً، يكتسب ترشيح جامع أغرابي، رئيس المجلس الجماعي لتغجيجت ووصيف لائحة حزب الاستقلال بإقليم كلميم، دلالته السياسية.

فالرجل لا يدخل السباق التشريعي لسنة 2026 من فراغ، ولا يقدم نفسه باعتباره اسماً جديداً يطلب من الناخب أن يمنحه الثقة على أساس الوعود فقط، بل يدخل وفي رصيده تجربة في تدبير الشأن المحلي، وحصيلة من المشاريع والأوراش التي يمكن وضعها أمام المواطنين للنقاش والتقييم والمساءلة.

وهنا تكمن قوة الرهان.

فالسياسة لا تُقاس فقط بما نقوله عن أنفسنا، وإنما بما يمكن للناس أن يروه ويقيسوه ويحاكمونا عليه.

الحصيلة.. حين تتحدث الوقائع بدل الخطب

الحصيلة المعروضة لتجربة جامع أغرابي في تغجيجت تتضمن مشاريع مرتبطة بالماء، والطرق والمسالك، وحماية الدواوير من الفيضانات، والفلاحة، والطاقة الشمسية، والإنارة، والوقاية والإغاثة، والرياضة، والمرافق العمومية، وتأهيل المجال الواحي.

قد يختلف الناس في تقييم هذه المشاريع، وقد تكون هناك ملاحظات وانتقادات مشروعة حول الأولويات أو طرق التدبير أو مستوى التنفيذ.

وهذا أمر طبيعي في الديمقراطية.

لكن ما لا ينبغي تجاهله هو أن وجود حصيلة قابلة للنقاش أفضل سياسياً من غياب الحصيلة والاكتفاء بالكلام عن المستقبل.

فحين يتعلق الأمر بطريق، أو شبكة ماء، أو منشأة لحماية السكان من الفيضانات، أو تجهيز بالطاقة الشمسية، أو مرفق رياضي، فإن النقاش ينتقل من فضاء الشعارات إلى فضاء الوقائع.

وهنا تصبح الديمقراطية أكثر جدية:

هذا ما كان موجوداً.
وهذا ما أُنجز.
وهذا ما لم يُنجز.
وهذا ما ينبغي استكماله.

ومن حق المواطن بعد ذلك أن يحكم.

لماذا تغجيجت مهمة في قراءة تجربة أغرابي؟

لأن تدبير جماعة ترابية، خصوصاً في المجال القروي والواحي، ليس مهمة سهلة كما قد يبدو من خارج المؤسسات.

هناك محدودية الموارد، وتعقيد المساطر، والحاجة إلى تعبئة التمويلات، والاعتماد على الشراكات، وضعف الإمكانات البشرية والتقنية، وتعدد الحاجيات الاجتماعية والاقتصادية.

لذلك فإن نجاح أي منتخب في إخراج المشاريع من الوثائق والبرامج إلى الواقع لا يمكن اختزاله في مجرد أرقام مالية.

الرهان الحقيقي هو القدرة على تحويل الإمكانات المحدودة إلى نتائج ملموسة.

ومن هنا يمكن قراءة تجربة جامع أغرابي باعتبارها تجربة تحتاج إلى أن تُنقل من مستوى التسيير المحلي إلى مستوى الترافع المؤسساتي.

فالرجل الذي عرف مشاكل الجماعة من داخل المجلس، واحتك بالإدارة، وعاش تفاصيل الملفات المحلية، يمتلك شيئاً لا توفره الخطابات الانتخابية وحدها:

المعرفة الميدانية.

وهذه المعرفة يمكن أن تصبح قيمة مضافة داخل البرلمان.

من تغجيجت إلى كلميم وادنون.. لماذا لا ينبغي أن تتوقف التجربة عند حدود الجماعة؟

الخطأ هو أن يُنظر إلى حصيلة تغجيجت باعتبارها نهاية القصة.

الأصح أن تكون نقطة انطلاق.

فمشاكل الماء ليست مشكلة جماعة واحدة.
والطرق والمسالك ليست قضية جماعة واحدة.
والفلاحة الواحية ليست شأناً محلياً معزولاً.
ومشاكل الشباب والتشغيل والهجرة الداخلية والاستثمار والخدمات العمومية لا تتوقف عند الحدود الترابية للجماعات.

إنها قضايا إقليم وجهة.

ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي أمام الناخب:

هل يستطيع جامع أغرابي أن يحول معرفته بالمشاكل المحلية إلى قدرة على الترافع عن قضايا الإقليم داخل البرلمان؟

هذه هي المعركة السياسية الحقيقية.

فالنائب البرلماني لا ينبغي أن يكون مجرد شخص يحضر الجلسات ويصوت على القوانين، بل يفترض أن يكون أيضاً صوتاً لمجاله الترابي، وأن يراقب السياسات العمومية، ويسائل الحكومة، ويدافع عن مصالح المواطنين، ويبحث عن الآليات التي تمكن المناطق الأقل استفادة من الوصول إلى الاستثمار والتمويل والخدمات.

وبالتالي، فإن الانتقال من الجماعة إلى البرلمان لا ينبغي أن يُفهم باعتباره ترقية شخصية.

إنه، في حال نجح، انتقال من تدبير مشاكل مجال صغير إلى الترافع عن قضايا مجال أوسع.

وهنا يدخل حزب الاستقلال على الخط

ترشيح جامع أغرابي لا يمكن فصله عن المشروع السياسي لحزب الاستقلال وبرنامجه الانتخابي لسنة 2026 تحت شعار «وطني مستقبلي».

فالقوة السياسية لأي مرشح لا تأتي فقط من تجربته الشخصية، وإنما من قدرته على الجمع بين هذه التجربة وبين مشروع حزبي واضح.

وحين يطرح الحزب أولويات تتعلق بمحاربة الفساد والريع وتضارب المصالح، واستعادة الثقة في المؤسسات، وتحسين القدرة الشرائية، وتقوية المرفق العمومي، وتحقيق الإنصاف الاجتماعي والمجالي، ودعم الشباب وتعزيز السيادة الاستراتيجية، فإن ذلك يضع المرشح أمام امتحان سياسي واضح:

هل يستطيع أن يحول هذه المبادئ العامة إلى قضايا ملموسة داخل مجاله الترابي؟

هنا تحديداً يمكن أن تكون تجربة جامع أغرابي ذات قيمة.

فالمواطن في تغجيجت لا يعيش مفهوم «الإنصاف المجالي» باعتباره مصطلحاً في وثيقة حزبية، بل يعيشه في الطريق، والماء، والمدرسة، والصحة، والنقل، وفرص الشغل، والفلاحة، والاستثمار.

والمطلوب من السياسي هو أن يحول هذه الاحتياجات اليومية إلى مطالب وسياسات وقرارات.

من وحدة تخزين التمور إلى اقتصاد ترابي حقيقي

خذوا الفلاحة الواحية مثالاً.

المشكلة ليست فقط في إنتاج التمور أو المنتجات المحلية.

المشكلة تبدأ بعد الإنتاج:

كيف نخزن؟
كيف نثمن؟
كيف نسوق؟
كيف نخلق علامة ترابية؟
كيف نربط المنتج بالأسواق؟
وكيف نجعل القيمة الاقتصادية تبقى داخل المنطقة بدل أن تغادرها؟

لذلك، فإن الحديث عن مشاريع مرتبطة بتخزين التمور أو تأهيل المجال الواحي ينبغي ألا يتوقف عند حدود المشروع نفسه.

المطلوب هو بناء رؤية اقتصادية متكاملة.

وهنا يلتقي المحلي بالوطني.

فالبرنامج الانتخابي لحزب الاستقلال يتضمن توجهات مرتبطة بتطوير التعاونيات والمجموعات ذات النفع العام، وتعزيز العلامات التجارية الجهوية والترابية، وتثمين المنتجات المحلية وربطها بالأسواق الوطنية والدولية.

وهذا بالضبط هو النوع من التلاقي الذي يمكن أن يعطي للتمثيل البرلماني معنى عملياً:

مشروع محلي + برنامج وطني + ترافع برلماني.

الشباب.. الاختبار الأصعب

لكن لا يمكن الحديث عن مستقبل كلميم وادنون من دون الحديث عن الشباب.

الشاب في تغجيجت أو كلميم أو سيدي إفني أو طانطان أو آسا الزاك لا يحتاج إلى خطبة انتخابية جديدة.

إنه يحتاج إلى فرصة.

فرصة للتكوين.
فرصة للعمل.
فرصة للاستثمار.
فرصة لإنشاء مشروع.
وفرصة لكي يعيش في منطقته دون أن يصبح الرحيل الخيار الوحيد.

ومن هنا تكتسب البرامج المقترحة لدعم التشغيل والتكوين والتنقل المهني أهميتها.

فالسياسة الناجحة ليست التي تقنع الشباب بأن المستقبل جميل، وإنما التي تخلق له شروطاً حقيقية ليصنع ذلك المستقبل.

وهنا أيضاً يمكن لخبرة المنتخب المحلي أن تكون مفيدة، لأنه يعرف أن الجماعة لا تستطيع وحدها حل مشكلة التشغيل.

الحل يحتاج إلى تداخل السياسات العمومية، والاستثمار، والتكوين، والبنية التحتية، والمبادرة الخاصة، والدعم المؤسساتي.

وهذه بالضبط قضايا تحتاج إلى ترافع برلماني لا إلى تدبير جماعي فقط.

الأمازيغية.. التنمية ليست طرقاً وإسمنتاً فقط

في مجال مثل تغجيجت، لا يمكن اختزال التنمية في البنية التحتية.

هناك أيضاً اللغة والثقافة والذاكرة والهوية المحلية.

فالبرنامج الانتخابي لحزب الاستقلال يتضمن توجهات مرتبطة بتسريع أجرأة القانون-الإطار المتعلق بالأمازيغية، وتعزيز حضورها في الحياة العامة وتقوية تدريسها، إلى جانب تثمين التنوع الثقافي المغربي.

وهذا يفتح أمام أي ممثل برلماني من المنطقة مسؤولية إضافية:

أن يجعل قضايا المجال الثقافي واللغوي جزءاً من الترافع المؤسساتي، لا مجرد مادة للاستهلاك الانتخابي.

فالأمازيغية ليست شعاراً موسمياً.

إنها جزء من الحياة اليومية للسكان، ومن الذاكرة الجماعية للمجال، ومن الحق في الولوج إلى الثقافة والتعليم والخدمات العمومية ضمن إطار الاعتراف الدستوري بالتنوع اللغوي والثقافي.

لماذا قد يكون جامع أغرابي مختلفاً عن مرشح يقدم نفسه من الورق فقط؟

لأن الفرق بين المرشح الذي يملك تجربة والمرشح الذي يملك خطاباً فقط هو فرق جوهري.

الأول يمكن مساءلته عن الماضي والحاضر والمستقبل.

والثاني غالباً ما تكون أدوات محاسبته محدودة في الوعود.

وهنا لا ينبغي أن نخاف من مساءلة جامع أغرابي.

بل العكس.

قوة المرشح الحقيقي تبدأ من قدرته على تحمل السؤال.

ما الذي أنجز؟
ما الذي تعثر؟
لماذا تعثر؟
ما الذي يمكن استكماله؟
وما الذي سيحمله إلى البرلمان؟

هذه الأسئلة لا تضعف الترشيح.

بل تمنحه جدية.

لأن الانتخابات الديمقراطية لا تحتاج إلى مرشحين بلا أخطاء، وإنما تحتاج إلى مرشحين يمكن محاسبتهم على قراراتهم ونتائجهم.

الدفاع عن أغرابي لا يعني تحويله إلى شخصية فوق النقد

وهنا ينبغي أن يكون الدفاع السياسي واضحاً وصريحاً:

دعم جامع أغرابي لا يعني القول إن تجربته كاملة.

ولا يعني إلغاء حق المواطنين في النقد.

ولا يعني تحويل الحصيلة إلى مادة دعائية مغلقة.

بل يعني شيئاً أبسط وأكثر إقناعاً:

أن تُوضع التجربة أمام الناس، وأن تُقارن بالواقع، وأن يُنظر إلى ما تحقق وما لم يتحقق، ثم يُتخذ القرار.

وهذا في حد ذاته هو جوهر السياسة الديمقراطية.

فإذا كانت هناك انتقادات، فلتُطرح.

وإذا كانت هناك اختلالات، فلتُناقش.

وإذا كانت هناك مشاريع، فلتُقيّم.

لكن في المقابل، لا ينبغي أن يُحاكم المرشح على الشائعات والانطباعات، بينما تُترك الوقائع جانباً.

من «ماذا ستفعل؟» إلى «ماذا فعلت؟»

ربما يكون هذا هو السؤال الأكثر إزعاجاً في الانتخابات.

لأن المرشح يستطيع أن يقول:

سأفعل.

لكن تجربة جامع أغرابي تسمح بطرح سؤال مختلف:

ماذا فعلت عندما كنت مسؤولاً؟

وهذا السؤال أكثر صعوبة، لكنه أيضاً أكثر عدلاً.

فمن يطلب ثقة الناخبين لتمثيلهم في البرلمان ينبغي أن يقبل بأن تكون تجربته السابقة جزءاً من امتحان هذه الثقة.

ومن هذه الزاوية، فإن الحصيلة المحلية ليست عبئاً على جامع أغرابي، بل يمكن أن تكون أهم رأسمال سياسي لديه.

فهي تمنحه إمكانية القول:

لقد جربتُ المسؤولية.
عرفتُ الإدارة.
واجهتُ الإكراهات.
اشتغلتُ على ملفات ملموسة.
وأعرف أن الانتقال إلى البرلمان يعني مسؤولية أكبر، لا امتيازاً أكبر.

«وطني مستقبلي».. عندما يصبح الشعار التزاماً

الشعار السياسي لا تكون له قيمة إلا عندما يستطيع المرشح أن يترجمه إلى أفعال.

«وطني مستقبلي» لا ينبغي أن يبقى مجرد عبارة انتخابية.

المستقبل يعني اقتصاداً أكثر إنتاجية.

ويعني خدمات عمومية أكثر عدلاً.

ويعني شباباً أكثر قدرة على العمل والمبادرة.

ويعني مناطق قروية لا تتحول إلى خزانات للهجرة.

ويعني تنمية أكثر إنصافاً بين المركز والهامش.

ويعني أيضاً مؤسسات تستعيد ثقة المواطنين.

وهنا يمكن لمرشح قادم من جماعة ترابية مثل تغجيجت أن يقدم شيئاً مهماً: رؤية المستقبل من زاوية الميدان.

الخلاصة: لماذا يستحق جامع أغرابي فرصة أكبر؟

لأن البرلمان لا يحتاج فقط إلى من يتحدث جيداً، بل إلى من يعرف لماذا يتحدث، ولمن يتحدث، وما الذي يريد أن يغيره.

ولأن كلميم وادنون لا تحتاج فقط إلى شعارات انتخابية، وإنما إلى ممثلين يعرفون مشاكلها من الداخل ويملكون القدرة على تحويلها إلى ملفات ترافعية وتشريعية.

ولأن تجربة جامع أغرابي في تغجيجت، بما لها وما عليها، توفر مادة واقعية يمكن للناخب أن يحاكمها.

ولأن ترشيحه باسم حزب الاستقلال لا يقوم فقط على شخص المرشح، بل على برنامج انتخابي يطرح بدوره مجموعة من الالتزامات والأولويات.

لهذا، فإن الدفاع عن جامع أغرابي لا ينبغي أن يقوم على عبارة:

«صوّتوا له لأنه الأفضل».

بل على حجة أكثر قوة:

«قارنوا الحصيلة بالوعود، والتجربة بالخطاب، والبرنامج بالإمكانات، ثم احكموا».

وهنا يصبح التصويت أكثر من اختيار اسم في ورقة.

إنه اختيار بين نموذجين في ممارسة السياسة:

نموذج يطلب الثقة بناءً على الكلام فقط،
ونموذج يقول: هذه تجربتي، وهذه حصيلتي، وهذا البرنامج الذي أحمله، وهذا ما أريد أن أفعله على مستوى الإقليم والجهة.

وفي النهاية، تبقى الكلمة للناخب.

لكن الناخب حين يمتلك حصيلة وبرنامجاً وتجربةً أمامه، يصبح قراره أكثر وعياً، وأكثر قدرة على أن يحاسب من اختاره.

من تغجيجت يمكن أن تبدأ الحكاية، لكن الاختبار الحقيقي هو: هل تستطيع تجربة محلية أن تتحول إلى صوت برلماني يحمل قضايا كلميم وادنون إلى قلب المؤسسة التشريعية؟

ذلك هو الرهان الحقيقي لترشيح جامع أغرابي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
ر

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock