منوعات

حين تتقدّم الجمعيات إلى المحاكم: مفارقة قانونية تطرح أسئلة حول احترام التوجيهات الملكية

مكتب القنيطرة/عزيز منوشي

أثار قبول بعض المحاكم المغربية لدعاوى قضائية مرفوعة باسم جمعيات، في قضايا ذات طابع زجري أو سياسي، نقاشًا قانونيًا وحقوقيًا واسعًا، خاصة في ظل وجود خطاب ملكي سابق واضح شدّد فيه جلالة الملك محمد السادس نصره الله على أن محاربة الفساد أو تحريك المتابعات القضائية ليست من اختصاص الجمعيات أو الفاعلين السياسيين، بل من صميم مهام المؤسسات الدستورية المختصة.

هذا المستجد يطرح أكثر من علامة استفهام حول مدى انسجام بعض الممارسات القضائية مع التوجيهات الملكية، التي جاءت في سياق حماية دولة الحق والقانون، ومنع توظيف العمل الجمعوي أو السياسي كأداة للضغط أو تصفية الحسابات، تحت غطاء «الدفاع عن المصلحة العامة».

فهل نحن أمام تأويل قانوني ضيق لبعض النصوص التي تتيح للجمعيات حق التقاضي؟ أم أن الأمر يعكس فراغًا تشريعيًا يسمح بتجاوز روح الخطاب الملكي والاكتفاء بحرفية القانون؟ أم أن هناك خلطًا متعمدًا بين الحق في الترافع المدني وبين تحريك الدعوى العمومية؟

إن الخطاب الملكي لم يكن دعوة إلى تقييد العمل الجمعوي، بقدر ما كان تحذيرًا صريحًا من الانزلاق نحو الفوضى القانونية، حيث يتحول أي فاعل جمعوي إلى «قاضٍ» أو «مدّعٍ عام»، وهو ما يهدد قرينة البراءة ويضرب أسس العدالة العادلة.

قبول هذه الدعاوى، في غياب صفة قانونية واضحة ومباشرة، قد يفتح الباب أمام تسييس القضاء، ويجعل المحاكم ساحة لتصفية الحسابات، بدل أن تبقى فضاءً لإنصاف المتضررين الحقيقيين، وفق ضوابط قانونية صارمة.

أمام هذا الوضع، يبرز سؤال جوهري:

من يحمي روح التوجيهات الملكية؟ وهل المطلوب اليوم تدخل تشريعي أو اجتهاد قضائي موحد، يضع حدًا لهذا التناقض، ويعيد الاعتبار للفصل الواضح بين أدوار الدولة، وأدوار المجتمع المدني؟

إن احترام الخطاب الملكي ليس مسألة رمزية، بل ركيزة أساسية لاستقرار المنظومة القانونية، وضمانة لعدم توظيف العدالة خارج مسارها الدستوري.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
ر

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock