مقالات و آراء

انحدار المستوى التعليمي في المدارس العمومية المغربية: بين تشخيص الأعطاب ورهانات الإصلاح

هنا 24 / عبد الصادق النوراني .
يشهد التعليم في المغرب منذ سنوات نقاشًا متصاعدًا حول تراجع مستواه، وهو نقاش لم يعد حكرًا على المختصين، بل أصبح حاضرًا بقوة في انشغالات الأسر والفاعلين التربويين والرأي العام. فنتائج التحصيل الدراسي، وشكاوى المدرسين، وملاحظات أولياء الأمور، كلها مؤشرات تدفع إلى طرح سؤال جوهري: ما الذي يحدث داخل المدرسة المغربية؟
لا يمكن إنكار أن المنظومة التعليمية المغربية عرفت خلال العقود الأخيرة مجموعة من الإصلاحات المتتالية، غير أن تعدد البرامج وتغير الرؤى لم يواكبه دائمًا تقييم دقيق لنتائجها. فقد ظل التعليم مجالًا للتجريب أكثر منه مجالًا للاستقرار، وهو ما انعكس على جودة التعلمات وعلى ثقة المجتمع في المدرسة العمومية.
ومن أبرز مظاهر هذا التراجع ضعف الكفايات الأساسية لدى عدد من التلاميذ، خاصة في القراءة والكتابة والحساب، وهي مهارات تُعد حجر الأساس لأي مسار تعليمي ناجح. كما تشير ملاحظات ميدانية إلى وجود فجوة بين المقررات الدراسية والقدرة الفعلية على استيعابها، مما يجعل التعلم في كثير من الأحيان عملية شكلية تفتقر إلى العمق.
ويطرح هذا الوضع إشكالية تكوين الأطر التربوية، حيث يشتكي عدد من المدرسين من ضغط البرامج، وقلة التكوين المستمر، وضعف الوسائل الديداكتيكية. فالمدرس، الذي يُفترض أن يكون محور العملية التعليمية، يجد نفسه أحيانًا مطالبًا بتدبير أقسام مكتظة في ظروف لا تساعد على الإبداع أو التجديد.
كما لا يمكن إغفال أثر الاكتظاظ داخل الفصول، خاصة في المناطق الحضرية، حيث يتجاوز عدد التلاميذ في بعض الأقسام القدرة الاستيعابية المعقولة، مما يحد من فرص التفاعل الفردي ويؤثر على جودة التعلم. في المقابل، تعاني بعض المناطق القروية من نقص في الموارد البشرية والتجهيزات، ما يعمّق الفوارق المجالية في فرص التعليم.
من جهة أخرى، ساهم التحول الرقمي، رغم أهميته، في خلق تحديات جديدة، إذ لم يُواكب دائمًا بتأطير بيداغوجي كافٍ، مما جعل استخدام الوسائط الرقمية في التعليم محدود الأثر في كثير من الحالات. كما أن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على تركيز التلاميذ وسلوكهم الدراسي أصبح موضوع نقاش متزايد.
ولا يمكن الحديث عن المدرسة العمومية دون استحضار دور الأسرة، التي تُعد شريكًا أساسيًا في العملية التربوية. فضعف المتابعة المنزلية، لأسباب اجتماعية أو اقتصادية، ينعكس بدوره على أداء التلاميذ، ويزيد من صعوبة مهمة المدرسة.
في مقابل هذه التحديات، يظل الأمل قائمًا في إمكانية الإصلاح، خاصة مع وجود كفاءات تربوية وإرادة مجتمعية واعية بأهمية التعليم كرافعة للتنمية. غير أن أي إصلاح حقيقي يقتضي مقاربة شمولية تقوم على استقرار السياسات التعليمية، وتحسين ظروف عمل المدرسين، وربط المناهج بحاجيات المتعلم وسوق الشغل، إضافة إلى تعزيز قيم الاجتهاد والانضباط داخل المدرسة.
إن الحديث عن انحدار المستوى التعليمي لا ينبغي أن يكون مدخلًا لليأس أو التعميم، بقدر ما هو دعوة صريحة إلى إعادة التفكير في نموذج المدرسة المغربية، بما يضمن تكافؤ الفرص وجودة التعلمات. فالتعليم ليس مجرد قطاع من بين قطاعات أخرى، بل هو أساس كل مشروع تنموي، وأي خلل فيه ينعكس بالضرورة على مستقبل المجتمع بأكمله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
ر

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock