حين تتحول النقابات الأكثر تمثيلية بقطاع البريد إلى ممالك صغيرة

هنا 24 / عبد الصادق النوراني .
بات نافلة من النوافل التذكير بأن النقابات في الأساس هي فضاءات للدفاع عن حقوق الشغيلة ، ومختبرا حيا للممارسة الديمقراطية والتداول على المسؤولية . لكن مع كامل الأسف تحولت النقابات الأكثر تمثيلية بمجموعة بريد المغرب وفرعه البريد بنك وهي بالمناسبة الفدرالية الديمقراطية للشغل والكونفدرالية الديمقراطية للشغل والإتحاد المغربي للشغل إلى كيانات جامدة يحكمها أشخاص بعينهم لما يربو عن عقدين من الزمن دون أن يشكل ذلك حرجا نقابيا وأخلاقيا لهم أمام أجهزتهم التنظيمية ، وقواعدهم ، وعموم المهتمين بالشأن النقابي بالمغرب .
وبدون أدنى شك فإن هذه الظاهرة كرسها بشكل لا يدع مجالا للشك منطق تبجيل وتقديس (الزعيم الخالد ) من طرف المنخرطين وكذا الصمت الجماعي وكأن الأمر يتعلق يتعلق بملكية خاصة لا بهيئة نقابية يفترض أن تؤطرها القوانين الديمقراطية .
ولربما كان وما يزال للموروث النقابي الذي خلفه في وجدان زعماء هذه النقابات الثلاث تجربة (من المهد إلى اللحد ) للمحجوب بن الصديق ونوبير الأموي رحمهم الله اكبر الأثر على ممارساتهم النقابية والتنظيمية .
ولعل المفارقة المؤلمة في هذه التجربة هي أن الغالبية العظمى من قواعد هذه النقابات ساهمت ولازلت في تكريس هذا الوضع منذ سنة 2003 إلى يوم الناس هذا إما بدافع الولاء الشخصي أو الخوف من الإقصاء وفي أحيان قليلة اليأس من إمكانية التغيير حتى أصبحت المؤتمرات عبارة عن طقوس شكلية لإعادة إنتاج نفس الوجوه ، أما الإنتخابات الداخلية فهي مجرد إجراءات عادية محسومة سلفا والكفاءات الشابة فمصيرها الإقصاء أو تدفع نحو الهامش لأنها تهدد (الاستقرار ) المزعوم لهذه القيادات .
ولا يخفى على أي مهتم أن ممارسات تنظيمية كهذه لا تختلف كثيرا عن أمراض الإستبداد السياسي الذي طالما انتقدتها هذه الفصائل في فترة من تاريخ المغرب ، وإلا كيف يمكن لنقابة تطالب بالديمقراطية والشفافية والعدالة الإجتماعية أن ترفض أو تعجز عن ممارستها داخل هياكلها التنظيمية؟وكيف لقيادة تبقى أكثر من عقدين من الزمن في موقعها أن تقنع قواعدها بأنها ما تزال تمثل روح التغيير والتجديد والشفافية؟
وأستطيع أن أجزم بدون أدنى حرج من زملائي وأصدقائي قادة النقابات الثلاث داخل قطاع البريد، ومنهم من صوتت عليه بمركب محمد زفاف الثقافي بالدار البيضاء سنة 2003 ، ومنهم من كان لي الشرف الإنتماء والإشتغال معه تنظيميا ومنهم من عرفته كزميل بمركز الفرز بالدار البيضاء، أن النقابة التي لا تمارس الديمقراطية داخل بيتها تفقد مع مرور الوقت شرعيتها التنظيمية والأخلاقية وتكرس بشك ظاهر للعيان معظلة (الزعيم الخالد ) الذي يعتقد ظاهريا أنه يحمي التنظيم لكنه يحوله بوعي أو بغير وعي إلى هيكل عاجز عن التنفس خارج ضله .
لقد آن الأوان أن تتحرر النقابات الثلاث الأكثر تمثيلية في قطاع البريد من عقدة الزعيم الخالد أو الزعيم الضرورة ، وأن تدرك بأن التنظيمات الحية لا تقاس بالقيادة الأبدية، بل بقدرتها على التجديد والنقد وصناعة البدائل، لأن الديمقراطية والشفافية والتداول على المسؤولية وربطها بالمناسبة ليست بشعارات ترفع في المسيرات والوقفات الإحتجاجية ، بل هي ثقافة تبدأ من داخل التنظيم نفسه .



