رياضة

حطم رقم هشام الكروج في المايل لكن لم تحطم الحقيقة

عبد الصادق النوراني

أثار تحطيم العداء البريطاني للرقم القياسي العالمي لسباق المايل خلال ملتقى لندن موجة واسعة من التعليقات التي ذهبت في معظمها إلى عناوين من قبيل (سقوط رقم هشام الكروج) أو (انتهى عهد ارقان الكروج) ، وهي عبارات تبدو جذابة إعلاميا لكنها لا تعكس الحقيقة الرياضية بكل أبعادها .
صحيح أن الرقم القياسي الذي ظل صامداً سبعة وعشرون عاما أصبح جزءا من التاريخ ، وهذه هي سنة الرياضة التي لا تعترف بالخلود ، لكن من الظلم اختزال إنجاز هشام الكروج في مجرد رقم تم تجاوزه دون استحضار السياق العلمي والتقني الذي يفصل بين زمنين مختلفين .
فألعاب القوى لم تبق على حالها منذ نهاية تسعينيات القرن الماضي. فقد شهدت الأحذية الرياضية ثورة تكنولوجية غير مسبوقة بفضل المواد المطاطية والألياف الكربونية التي أصبحت تمنح العدائين مردودية أكبر وتساعد على الاقتصاد في الجهد وتحقيق سرعات أعلى . كما تطورت أرضيات المضامير بشكل لافت وأصبحت أكثر استجابة للحركة وأقل استنزافاً للطاقة .
ولم يقف التطور عند هذا الحد ، بل شمل أيضا علوم التدريب وطرق استرجاع الطراوة البدنية والإستشفاء والتغذية الرياضية والمكملات الغذائية المسموح بها والتحليل الرقمي للأداء ، وكلها عوامل لم تكن متاحة بنفس الجودة والدقة عندما صنع هشام الكروج أسطورته .
لهذا فإن المقارنة المجردة بين زمنين مختلفين تفتقد إلى الإنصاف . ومن المشروع أن نتسائل ماذا لو كان هشام الكروج بموهبته الفذة وقدراته البدنية الاستثنائية وعقليته التنافسية يستفيد اليوم من كل هذه الوسائل الحديثة ؟ أليس من المرجح أن يكون قد رفع سقف الإنجاز إلى مستوى أبعد يصعب حتى الاقتراب منه ؟
إن الأبطال الحقيقيين لا يُقاسون بالأرقام وحدها ، وإنما أيضا بقدرتهم على التفوق على معطيات عصرهم . والكروج لم يكن بطلا عاديا ، بل كان ظاهرة رياضية فرضت هيمنتها على سباقات المسافات المتوسطة لسنوات طويلة ، وظلت أرقامه عصية على كبار العدائين لما يقارب ثلاثة عقود ، وهو ما يكفي وحده لإدراك قيمة ما حققه .
غير أن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن ينشغل كثيرا بمن حطم الرقم ، وإنما بمن لم يصنع الخلف . وهنا تكمن المعضلة المغربية .
فبينما واصلت ألعاب القوى العالمية تطورها بسرعة مذهلةو، دخلت ألعاب القوى المغربية في نفق طويل من التراجع بعدما كانت في زمن قريب مدرسة عالمية في صناعة الأبطال . فمنذ سنة 2006، تاريخ تولي عبد السلام أحيزون رئاسة الجامعة الملكية المغربية لألعاب القوى ، كان الأمل معقودا على فتح صفحة جديدة تعزز الإرث الذي خلفه عظماء أمثال سعيد عويطة ونوال المتوكل وخالد السكاح وهشام الكروج وغيرهم .
لكن الواقع كان مغايرا تماما . فقد توالت سنوات الإخفاق واختفت الألقاب العالمية والأولمبية وتراجع الحضور المغربي في كبريات المحافل الدولية حتى أصبح التأهل إلى النهائيات في بعض المنافسات يقدم وكأنه إنجاز .
لقد كان بالإمكان خلال عقدين تقريباً صناعة أكثر من هشام الكروج لو وضعت رؤية استراتيجية حقيقية ، واستثمرت الطاقات التي تزخر بها مختلف جهات المملكة ، ووفر التأطير العلمي والتقني اللازم ، وربطت المسؤولية بالمحاسبة . غير أن واقع الحال يكشف أن ألعاب القوى المغربية دفعت ثمنا باهظا لجمود التدبير ولغياب التجديد وللتشبث بالمناصب في وقت كانت فيه الحاجة إلى دماء جديدة وأفكار جديدة أكثر من أي وقت مضى.
إن الرقم القياسي لهشام الكروج لم يسقط لأنه كان ضعيفا ، بل لأنه كان عظيما إلى درجة أنه قاوم الزمن سبعة وعشرين عاما في رياضة تتطور وسائلها عاما بعد آخر . أما ما سقط فعلاً فهو المشروع الرياضي المغربي في ألعاب القوى المغربية التي كان يفترض أن تفرز أبطالا جددا يحملون المشعل فإذا بها تكتفي بالعيش على أمجاد الماضي .
وسيظل هشام الكروج اسما خالدا في تاريخ ألعاب القوى العالمية ليس فقط لأنه امتلك رقما قياسيا ، بل لأنه صنع حقبة كاملة ستظل محفورة في ذاكرة الرياضة . أما المغرب فإن معركته الحقيقية اليوم ليست استرجاع رقم قياسي ، وإنما استرجاع مدرسة رياضية كانت يوما منارة للعالم قبل أن يطول انتظار الإصلاح .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
ر

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock