مقالات و آراء

محمود عرشان يستأسد على أنقاض النخب ! وهل أصبح التاريخ منصة لاستعراض العضلات ؟

عبد الصادق النوراني .
ثمة خرجات سياسية لا تستمد أهميتها من مضمونها بقدر ما تستمدها من توقيتها ، ولا تثير الأسئلة بسبب ما تقوله فحسب ، بل أساسا بسبب ما تختار أن تقوله الآن بعد سنوات طويلة من الصمت .
وخرجة محمود عرشان الأخيرة بما حملته من استعراض للثقة وتحد للخصوم ودعوة إلى مناظرة علنية ، تندرج ضمن هذا الصنف من التصريحات التي تستدعي أكثر من قراءة ، وتفرض العودة إلى الذاكرة السياسية المغربية لا بحثا عن معارك الأمس ، بل لفهم مفارقات الحاضر .
في تسعينيات القرن الماضي ، حين كانت الساحة السياسية المغربية تعرف احتداما في الصراع بين السلطة والمعارضة ، وحين كانت الكتلة الوطنية تمثل إحدى أبرز واجهات المواجهة السياسية ، لم تكن جريدة الاتحاد الاشتراكي ولا جريدة البيان تتعاملان مع محمود عرشان باعتباره اسما عابرا في المشهد . لقد كان الرجل موضوع انتقادات سياسية وإعلامية حادة ارتبطت في الخطاب المعارض آنذاك بملف الانتهاكات التي شهدها المغرب ، وبما كان يتداول عن معتقل درب مولاي الشريف حتى التصق به في ذلك الخطاب وصف (جلاد درب مولاي الشريف) .
كانت تلك مرحلة أخرى برجالها ورموزها وموازينها السياسية والإعلامية مرحلة كانت فيها المعارضة تمتلك قيادات وازنة وأصواتا نقابية وحقوقية صلبة ، ومنابر صحافية لم تكن تتردد في خوض المعارك الكبرى مهما بلغت كلفتها السياسية .
واللافت في المقارنة بين الأمس واليوم أن محمود عرشان لم يكن طوال تلك السنوات يظهر بالصورة الاستعراضية نفسها التي يقدم بها نفسه اليوم ، على الأقل وفق ما يوحي به المشهد الذي نستحضره . لم نكن أمام ذلك التحدي العلني الصاخب الذي نراه الآن ولا أمام تلك الرغبة في تحويل الماضي إلى منصة لمبارزة الخصوم .
أما اليوم وقد تبدلت الوجوه وتراجعت أدوار بعض النخب ، وانكمشت مساحات الفعل السياسي لدى قوى كانت بالأمس تملأ الساحة حضورا وتأثيرا ،
فقد اختار الرجل أن يخرج من صمته مستحضرا تاريخه ومطالبا بمناظرة علنية ، وكأنه يستعيد معركة قديمة في ملعب لم يعد ميدانه مكتظ باللاعبين أنفسهم .
وهنا تكمن المفارقة السياسية التي تستحق المساءلة ، هل اكتشف محمود عرشان بعد كل هذه السنوات شجاعة المواجهة ، أم أن شروط المواجهة نفسها قد تغيرت إلى الحد الذي جعلها تبدو اليوم أقل كلفة وأكثر إغراء ؟
ليس في السياسة ما يمنع مراجعة المواقف أو إعادة فتح الملفات ، كما أن المناظرة العلنية من حيث المبدأ ليست أمرا مذموما ؛ بل قد تكون فرصة لكشف الحقائق وتوضيح المسؤوليات . لكن المناظرات الجادة لا تختزل في رفع سقف التحدي ، ولا تدار بمنطق استعراض العضلات ولا تتحول إلى محاولة لإعادة كتابة التاريخ من موقع الحاضر .
فالتاريخ ليس ملكا لمن يرفع صوته أكثر ، والذاكرة الوطنية ليست حلبة للمبارزة الكلامية ، والملفات التي ارتبطت بالانتهاكات الحقوقية لا تطوى بمجرد مرور الزمن ، كما لا تحسم بتحد إعلامي مهما بلغت نبرة أصحابه .
وإذا كان محمود عرشان واثقا من روايته للتاريخ ، فله أن يقدمها للرأي العام كاملة ، وأن يضع الوقائع أمام الباحثين والصحافيين والحقوقيين ، وأن يقبل بأن تناقش مواقفه ومواقـف غيره بالمعايير نفسها بعيدا عن الانتقائية والمزايدة . فالمناظرة الحقيقية لا تقوم على قوة الصوت ، بل على قوة الحجة ، ولا تمنح أحدا صك البراءة لمجرد أنه طالب بها .
لكن ثمة سؤالا آخر لا يقل إلحاحا ، أين ذهبت تلك النخب التي كانت تملك الجرأة على المواجهة وتخوض معاركها السياسية والإعلامية من مواقع واضحة وتفرض على خصومها احترام وزنها وحضورها ؟
هل يتعلق الأمر بتحولات طبيعية في الأجيال والمواقع ، أم أن السياسة المغربية تعيش بالفعل أزمة نخب ، بحيث أصبح بعض الفاعلين يستمدون جرأتهم من ضعف خصومهم أكثر مما يستمدونها من قوة حججهم ؟
إن أخطر ما يمكن أن تكشفه هذه الخرجة ليس عودة اسم من الماضي إلى واجهة النقاش ، بل احتمال أن يكون ميزان الجرأة قد تغير بتغير ميزان القوة ، وأن بعض من كانوا يفضلون الصمت في مواجهة خصوم أقوياء باتوا أكثر استعداداً للمواجهة حين خفتت أصوات أولئك الخصوم أو غابوا عن مواقع التأثير .
فهل انتظر محمود عرشان كل هذه السنوات حتى شعر بأن النخب التي كانت تواجهه قد شاخت سياسيا أو تراجعت أو غادرت مواقعها ليخرج اليوم متحديا الجميع ؟ أم أن وراء هذه الخرجة حسابات أخرى لا يمكن الجزم بها من دون معرفة دوافعه الحقيقية ؟
في السياسة لا تكفي الجرأة المتأخرة لصناعة بطولة ، كما لا يكفي الصمت القديم وحده لإثبات الخوف . لكن التوقيت يظل عنصرا أساسيا في قراءة المواقف خصوصا حين يتعلق الأمر بشخصية ارتبط اسمها بواحدة من أكثر مراحل التاريخ السياسي والحقوقي المغربي حساسية .
أما درب مولاي الشريف ، فليس مجرد اسم في أرشيف الصحافة القديمة ، ولا تفصيلا يمكن تجاوزه في سجال عابر . إنه جزء من ذاكرة مغربية مؤلمة تقتضي الإنصاف والتوثيق والمساءلة بعيدا عن التوظيف السياسي أو التبرئة المجانية .
فالذين يثقون في براءتهم من أسئلة التاريخ لا ينبغي أن يخشوا فتح أرشيفه ، والذين يطالبون بمناظرة حول الماضي عليهم أن يكونوا مستعدين لمواجهة الوقائع لا الاكتفاء باستعراض الثقة أمام خصوم يختلف حضورهم اليوم عما كان عليه بالأمس .
ويبقى السؤال الذي يلخص كل هذه المفارقة ، هل نحن أمام شجاعة سياسية تأخرت عقودا ، أم أمام جرأة استيقظت حين تغيرت موازين المشهد ؟
ذلك أن السياسة مثل التاريخ لا تقيس الرجال بما يقولونه حين تخفت أصوات خصومهم ، بل بما يستطيعون قوله ومواجهته حين تكون الحقيقة أثقل من الاستعراض .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
ر

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock