مقالات و آراء

الصحراء المغربية بين ترسيخ المرجعية الأممية ومأزق الأطروحة الإنفصالية، قراءة سياسية وقانونية إستشرافية في قرار اللجنة الرابعة للأمم المتحدة.

شكل القرار الذي إعتمدته اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة يوم الخميس 15 أكتوبر 2026، محطة ذات دلالة سياسية وقانونية خاصة في مسار قضية الصحراء المغربية، ليس فقط بالنظر إلى حجم التأييد الواسع الذي حظي به، ولكن والأهم بالنظر إلى تضمينه الإشارة إلى قرار مجلس الأمن رقم 2797، الذي كرس المبادرة المغربية للحكم الذاتي بإعتبارها الأساس الواقعي والجاد وذا المصداقية للتوصل إلى حل سياسي نهائي للنزاع، في إطار السيادة المغربية الكاملة على أقاليمها الجنوبية.

إن أهمية هذا التطور لا تكمن في كونه مجرد إضافة لفظية إلى نص أممي، بل في كونه يعكس التحول النوعي في بنية التعاطي الدولي مع هذا النزاع المفتعل. فاللجنة الرابعة التي ظلت لسنوات فضاء تستثمره بعض الأطراف لإعادة إنتاج خطاب متجاوز يستند إلى قراءات إنتقائية لمبدأ تقرير المصير، تجد نفسها اليوم أمام مرجعية سياسية وقانونية أحدث وأقوى صادرة عن مجلس الأمن الجهاز الأممي المسؤول عن حفظ السلم والأمن الدوليين. ومن هنا فإن حضور القرار 2797 داخل نص اللجنة الرابعة يعني من الناحية السياسية بداية إنسجام أوضح بين مختلف مسارات الأمم المتحدة في التعامل مع الملف، كما يعني من الناحية القانونية، أن النقاش لم يعد قابلا للفصل عن المرجعية التي أرساها مجلس الأمن خلال السنوات الأخيرة.
لقد انتقل الملف و بفعل التراكم الدبلوماسي المغربي من منطق النزاع المفتوح على إحتمالات نظرية مستحيلة التطبيق، إلى منطق الحل السياسي الواقعي القابل للتنزيل. وهذه النقلة ليست تفصيل عابر بل هي جوهر التحول الذي يزعج خصوم الوحدة الترابية للمملكة. فالمغرب لم يعد في موقع الدفاع عن مشروعية تاريخية وقانونية ثابتة فحسب بل أصبح في موقع من يملك المبادرة والرؤية والمقترح والقدرة على الإقناع. وفي المقابل وجدت الأطروحة الإنفصالية نفسها محاصرة داخل خطاب جامد غير قادر على مواكبة التحولات الجيوسياسية، ولا على تقديم جواب عملي لسؤال الإستقرار والتنمية والأمن الإقليمي.
إن التصويت الواسع لفائدة هذا القرار بمساندة 152 دولة مقابل معارضة محدودة وامتناعات قليلة يكشف بوضوح أن ميزان القوى الدبلوماسي يميل أكثر فأكثر لصالح المقاربة المغربية. فالأمم المتحدة وإن ظلت محافظة على لغتها المتوازنة بحكم طبيعة مؤسساتها، باتت تتجه وبشكل تظريجي نحو تكريس قاعدة أساسية مفادها أن الحل لا يمكن أن يكون إلا سياسي و واقعي دائم وتوافقي. وهذه الأوصاف الأساس التي تكررت في قرارات مجلس الأمن المتعاقبة لا تنطبق عمليا إلا على مبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب سنة 2007، والتي أثبتت مع مرور الزمن أنها ليست مجرد تصور إداري أو صيغة تقنية، بل مشروع سياسي متكامل يسمح بتدبير ديمقراطي واسع للشؤون المحلية لإقليم الصحراء في إطار وحدة الدولة وسيادتها ورمزيتها الوطنية.

ومن الناحية القانونية ينبغي التمييز بين طبيعة قرارات الجمعية العامة ولجانها بإعتبارها توصيات، وبين الوزن السياسي المتزايد الذي تكتسبه عندما تنسجم مع قرارات مجلس الأمن تلزم الأطراف. فحين تحيل اللجنة الرابعة بشكل صريح أو ضمني على القرار 2797، فإنها لا تنشئ وضع قانوني جديد بقدر ما تعكس تبلور إتجاه أممي متقدم. وهذا الإتجاه يفيد بأن زمن الحلول القصوى قد إنتهى وأن منطق الإستفتاء بصيغته الانفصالية لم يعد مطروح كخيار قابل للتنفيذ بالنظر إلى إستحالته العملية وتعقيداته السكانية والقانونية ورفضه من طرف الواقع الجيوسياسي فضلا عن غياب أي توافق حوله داخل مجلس الأمن منذ سنوات طويلة.
لقد نجحت الدبلوماسية المغربية و بقيادة جلالة الملك محمد السادس في تحويل قضية الصحراء من ملف كانت بعض الأطراف تحاول حصره في زاوية تصفية الإستعمار إلى قضية سيادة وطنية مؤطرة بحل سياسي واقعي داخل الأمم المتحدة. وهذا التحول لم يتحقق بالصدفة بل بعمل دبلوماسي متواصل و هادئ وفعال إستند إلى وضوح الموقف وقوة الحجة وتوسيع دائرة الشراكات وربط العلاقات الدولية للمملكة بمنطق الإحترام المتبادل والثوابت الوطنية. فالمغرب لم يكتف بالدفاع عن موقفه بل بنى حوله شبكة واسعة من الدعم الدولي جعلت مبادرة الحكم الذاتي تحظى بتأييد قوى دولية كبرى ودول مؤثرة في مختلف القارات.

لقد شكل تراجع عدد كبير من الدول عن الاعتراف بما يسمى “الجمهورية الصحراوية” أحد أبرز المؤشرات على إنهيار البناء الدبلوماسي المصطنع للأطروحة الانفصالية. فهذه الإعترافات التي ولد أغلبها في سياقات الحرب الباردة وتوازناتها الإيديولوجية بدأت تتساقط أمام منطق الدولة والمصلحة والإستقرار والشرعية الواقعية. ولم يعد من الممكن إقناع دول العالم بجدوى كيان لا يملك مقومات الدولة ولا سلطة فعلية على الأرض ولا إستقلالية في القرار ولا أفق سياسي خارج الدعم الجزائري. وعليه فإن كل سحب أو تجميد للإعتراف بهذا الكيان الوهمي لا يمثل مجرد مكسب رمزي للمغرب، بل يعكس اقتناع دولي متزايد بأن النزاع لم يعد يحتمل إطالة عمر الأوهام.
كما أن فتح عشرات القنصليات العامة في مدينتي العيون والداخلة شكل تطور ذا دلالة سيادية عميقة لأنه نقل الدعم الدولي من مستوى التصريحات إلى مستوى الفعل الدبلوماسي الملموس. فالدول التي تفتح تمثيليات قنصلية في الأقاليم الجنوبية لا تعبر فقط عن موقف سياسي بل تتعامل مع هذه الأقاليم بإعتبارها فضاء طبيعي للسيادة المغربية ومجال للتعاون الإقتصادي والإستثماري والإنساني. وهنا تتقاطع الدبلوماسية مع التنمية ويتحول الحضور الدولي في الصحراء المغربية إلى إعتراف عملي بإستقرار الوضع القانوني والسياسي للمملكة على أقاليمها الجنوبية.

ختاما، المغرب بثباته ووضوحه وصبره الإستراتيجي إستطاع أن ينقل قضية الصحراء من زمن الإلتباس إلى زمن الحسم التدريجي ومن منطق المناورة إلى منطق الواقعية السياسية ومن مواجهة أطروحة إنفصالية مصطنعة إلى بناء إجماع دولي متنام حول حل سياسي نهائي تحت السيادة المغربية. وعليه فإن ما جرى في اللجنة الرابعة ليس سوى تأكيد جديد حقيقة واحدة أن مغربية ثابتة بحكم التاريخ والقانون والواقع التنموي والإجتماعي، وأن الحكم الذاتي هو السقف العملي الوحيد لأي تسوية أممية وأن السيادة المغربية ليست موضوع تفاوض بل الإطار الأوحد الذي تتم داخله كل الحلول الممكنة.

د/ الحسين بكار السباعي
محلل سياسي وخبير إستراتيجي
مدير افريقيا والتعاون الدولي
المركز الدولي للأمن والهجرة و التنمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
ر

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock