الوصفة السحرية لوزير العدل للارتقاء بجودة مرافعات المحامين و أحكام القضاء.

مكتب القنيطرة
فجأة أصبحت المحاماة في حاجة ماسة إلى ضخ دماء جديدة يمثلها أساتذة القانون للرفع من جودة المرافعات و المذكرات المشبعة بالصناعة الفقهية و المساهمة في تطوير الاجتهاد القضائي. كان هذا مقتطف من مضمون الكلمة التي ألقى وزير العدل جزءها الأول أمام لجنة العدل و التشريع و الجزء الثاني بكلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية السويسي، مطالبا الأساتذة الجامعيين بالدفاع عن حقهم في ممارسة مهنة المحاماة إلى جانب التدريس في الجامعة. و هي كلمة تلقفها عدد من أساتذة القانون و راحوا يرددون بأنهم سيشكلون قيمة مضافة للمحاماة لأنهم يتوفرون على المؤهلات العلمية التي تساعدهم على ذلك خاصة و أنهم هم من سهر على تدريس المحامين و القضاة و كتاب الضبط و غيرهم. و هو ما يوحي للبعض بأن المحامين ينقصهم شيء ما في ممارستهم للمهنة يمكن أن يغطيه أساتذة القانون. و هو ما يمكن الرد عليه في أربع نقاط:
-النقطة الأولى: حول مكانة أساتذة القانون:
لا بد من التأكيد في البداية على الاحترام و التقدير اللذان يكنهما الجسم المهني للمحامين لأساتذة القانون بشكل عام و في مختلف دول العالم إذ لولاهم لما كنا درسنا القانون المغربي و لما أخذنا فكرة عن عدد من القوانين المقارنة. و بفضلهم جميعا تكون لدينا رصيد معرفي كان هو مفتاح الولوج إلى قلعة المحاماة. و لا ننكر أننا لازلنا نستأنس أثناء البحث و تهييء مذكراتنا و مرافعاتنا في كثير من القضايا بكتب الفقه المغربي و المقارن . لكن المبررات التي تمت سياقتها من أجل تبرير المطالبة بالحق في مزاولة مهنة المحاماة إلى جانب التدريس في الجامعة تبقى هشة و غير مقنعة تماما. و هو ما سيكون موضوع تفصيل في باقي النقاط أدناه.
-النقطة الثانية: صاحب الوصفة السحرية للارتقاء بمهنة المحاماة.
الكل يعلم أن شرارة هذا الموضوع انطلقت من تصريحات وزير العدل في مناسبات متفرقة أشرنا لبعضها أعلاه ، و التي أبدى فيها حماسا زائدا لفتح أبواب المحاماة أمام أساتذة القانون دون قيد أو شرط بل وصل به فرط حماسته المعهود إلى دعوة أساتذة القانون للتظاهر أمام البرلمان ضد الوزير نفسه كما فعل المحامون. و هو أمر التقطه الكثير من الأساتذة المحترمين بلهفة غير مفهومة و كأنهم كانوا في غفلة من زلات هذا الوزير و استفاقوا على تصريحه هذا .و هنا نود الإشارة إلى أن ما جاء على لسان السيد الوزير لم يكن مبنيا على قناعة شخصية أو نابعا من المسؤولية الرصينة أو دفاعا عن المصلحة العامة بل هو مجرد رد فعل صبياني تجاه المحامين و مؤسساتهم بعدما خرجوا للاحتجاج ضده و ضد المشروع الذي طرحه ضاربا عرض الحائط سنة و نيف من جلسات الحوار و التوافق و تدخل رئيس الحكومة لسحب الملف منه و تكليف لجنة خاصة تحت رئاسته لمواصلة الحوار مع المحامين. فالسيد الوزير عودنا نحن المحامين بالدرجة الأولى على أنه إذا خاصم فجر و هي صفة تعرفون من يحملها. لكن خصومته مع المحامين للأسف لا توجد إلا في مخيلته طبعا. و الدليل على كون الأمر لا يعدو سوى رد فعل لا يليق بمسؤول حكومي هو أن السيد الوزير عند صياغته لمشروع قانون المحاماة سواء في صيغته الأولى التي قدمت للمجلس الحكومي أو الأخيرة التي أحيلت على البرلمان و قدمها أمام لجنة العدل و التشريع لم يشر إلى ما يفيد السماح لأساتذة القانون بالولوج لمهنة المحاماة مع الاستمرار في مهامهم في تدريس القانون. فلماذا يأتي اليوم أمام لجنة العدل و التشريع في لقاء آخر و يطالب بل و يحرض البرلمانيين بإضافة هذا المقتضى في التعديلات ليتولى الدفاع عنه؟ ببساطة لأنه يريد الانتقام لنفسه من المحامين للأسباب التي يعرفها الجميع و لو اقتضى الأمر الوصول به إلى حد تحريض الأساتذة الجامعيين للتظاهر ضده بعدما حرض الطلبة على إعلان الحرب.
-النقطة الثالثة: التنافي بين المحاماة و التدريس كوظيفة.
لقد اجتهد عدد من الأساتذة الجامعيين في تبرير الرد على مبرر التنافي بين مهام ممارسة المحاماة و التدريس في الجامعة كوظيفة و ما لها من تأثير على استقلالية المحاماة ، بالقول بأنه لا وجود لهذا التنافي لأن وظيفة الأستاذ الجامعي لا تجعله تابعا للإدارة التي يشتغل تحت إمرتها. و دون الدخول في تفاصيل هذا الجدل، نود مناقشة هاته النقطة على شكل أسئلة :
-إذا كانت وظيفة أستاذ القانون لا تتنافى مع مهنة المحاماة ، فلماذا لم يطالب أساتذة القانون بالسماح لهم بممارسة القضاء دون قيد أو شرط ؟و هنا سنضرب عصفورين بحجر واحد و هما التقليل من الآثار السلبية لنقص عدد القضاة و ترشيد المال العام .
-و لماذا لا يطالب أساتذة القانون بممارسة مهنة التوثيق ماداموا هم من درسوا الموثقين كما درسوا المحامين و القضاة؟
-و لماذا لا يسمح أيضا للقضاة سواء الذين يمارسون القضاء الجالس أو الواقف بممارسة مهنة المحاماة مع الاحتفاظ بمهمتهم كقضاة و لو خارج نفوذ المحكمة التي يمارسون فيها؟
-و لماذا لا يسمح لكتاب الضبط و الموثقين أيضا بممارسة المحاماة إلى جانب الاحتفاظ بمهامهم الأخرى؟
و هل التكامل لا يتحقق إلا بالسماح لأستاذ القانون بممارسة المحاماة إلى جانب التدريس؟
النقطة الرابعة : القيمة المضافة أو الوصفة السحرية :
أثناء الكلمة التي قدمها السيد وزير العدل تحدث عن القيمة المضافة التي يمكن أن يحدثها أساتذة القانون على الممارسة المهنية. و هي كلمة تلقفها عدد كبير من الأساتذة الجامعيين و أعادوا صياغتها في قوالب لغوية مهذبة من قبيل الارتقاء بالمحاماة ، تجويد الأحكام القضائية ، الرفع من مستوى مرافعات و مذكرات المحامين ، ربط الممارسة المهنية بالبحث العلمي، جعل مهنة المحاماة منفتحة ، تنافسية قادرة على مواكبة المقاولة و الاستثمار …. إلخ .
إن الحديث عن القيمة المضافة التي يمكن أن يضفيها أساتذة القانون يبقى كلاما مجردا لا يمكن أن يصدر إلا عمن لا يعرف الواقع الحقيقي للمحاماة في المغرب أو يثق بكلام كذاك الذي صدر عن وزير العدل في قبة البرلمان. فالمحاماة لا تعوزها الكفاءة مطلقا و إن كنا لا ننفي أن التكوين القانوني للمحامين يختلف مستواه من محام لآخر كما هو حال الأساتذة الجامعيين أنفسهم و القضاة و الوزراء و غيرهم. بل إن المحاماة تعج بالقامات المهنية الرفيعة في كل التخصصات سواء تعلق الأمر بالمجال الجنائي أو الإداري أو التجاري أو المدني أو القانون الدولي أو غيرها. و لا أعتقد أن الأساتذة الجامعيين يمكن أن يشكلوا تلك القيمة المتحدث عنها للممارسة المهنية مع كل الاحترام و التقدير لما يقدمونه في مدرجات الكليات. فالقيمة المضافة لما يمكن أن يصدر عن أساتذة القانون تكمن فيما يبدلونه من جهود في المحاضرات و المقالات و المراجع القانونية التي تتناول التشريعات القديمة و الحديثة ، المغربية و المقارنة و تواكبها بشكل مستمر، و في الانكباب على عجل لإعداد وصفة سريعة لإعادة الاعتبار و الثقة بالأخص لشواهد الماستر و الدكتوراه التي أضحت تعاني من اختلالات عميقة بسبب تفشي مجموعة من الظواهر المشينة ( المحاباة، الرشوة، النقاط مقابل الجنس …) .في حين أن القيمة المضافة لعمل المحامي تتجلى في العمل المستمر على الإبداع و الاجتهاد في البحث عن النصوص القانونية المناسبة لتطويعها لخدمة الوقائع المعروضة عليه من موكليه و الابتعاد عن كل الشوائب التي تسيء لمهنة المحاماة ( الوساطة، السمسرة..). أما القاضي فالقيمة المضافة التي يمكن أن يقدمها للعدالة هي الحرص الكبير على التطبيق السليم و العادل للقانون على الوقائع المعروضة أمامه استنادا إلى القانون نفسه و إلى الاجتهاد القضائي بحياد و استقلال و نزاهة . و بالتالي يساهم الأطراف الثلاثة : أستاذ القانون، المحامي و القاضي ، كل من موقعه في خدمة القانون و خدمة العدالة.أي أن كل واحد منهم يساهم بقسط مهم دون أن يقوم بأكثر من وظيفة واحدة.
إن من يتحدث عن القيمة المضافة التي يمكن أن يشكلها أساتذة القانون للمحاماة فهو بالتأكيد يختزل ممارسة المحاماة في كتابة المذكرات و تقديم المرافعات و ينسى بأن المحاماة رسالة تتجاوز هذه النظرة السطحية القاصرة. فالمحاماة كانت و لاتزال مهنة المواقف التاريخية و رسالة نبيلة للدفاع عن الحقوق و الحريات. و إذا كان هناك من يحاول غض بصره فإننا نذكر بالقيمة المضافة التي شكلها المحامون دفاعا عن الحقوق و الحريات ، عن استقلال السلطة القضائية ، عن مبدإ فصل السلط، عن الديموقراطية و عن دولة الحق و القانون بشكل عام و في أحلك الظروف التي عاشتها البلاد.
و غير بعيد عن ذلك، فلننظر ما قدمه المحامون في العهد الجديد ، في عهد الإنصاف و المصالحة ، قبيل و بعيد دستور 2011 و في جلسات الحوار الوطني حول إصلاح منظومة العدالة من مواقف حقيقية و ليس نظرية فقط.
و بالأمس القريب ، من يتذكر مواقف المحامين و صراعهم المرير مع وزير العدل و الحكومة حول مشروع قانون المسطرة المدنية و ما كان يحمله في صيغته التي صادق عليها مجلس النواب من تضييق على أبسط حقوق المواطنين في التقاضي و في محاكمة عادلة؟
و من يتذكر مواقف المحامين من مشروع قانون المسطرة الجنائية و ما قدمه المحامون من مواقف لحماية الحقوق و الحريات خاصة في النقاط المحورية للمشروع و في مقدمتها الموقف من المادة الثالثة و من السلطات الواسعة التي تم منحها للشرطة القضائية في البحث ومن خلال استحداث إجراءات جديدة تخرق أبسط الحقوق الدستورية للمواطن؟
و بخصوص مشروع القانون الحالي للمحاماة ، من يتذكر التضحيات و المواقف التي قدمها المحامون منذ طرحه دفاعا عن استقلالية المحاماة؟ و من يتذكر مواقف المحامين الرجولية دفاعا عن حصانة الدفاع التي يستفيد منها المتقاضي و ليس المحامي لتبقى أصواتهم صارخة في وجه السماء لإعلاء كلمة الحق في وجه الشطط و التسلط و الاستبداد؟
و هنا أصل إلى السؤال المحوري الذي تتفرع عنه أسئلة كثيرة:
أين كان أساتذة القانون عندما كانت القوانين تطبخ الواحد تلو الآخر من طرف هاته الحكومة أو من سابقاتها؟
ما هي مواقفكم من مشروعي قانوني المسطرتين المدنية و الجنائية قبل و بعد أن تم إصدارهما و مما تضمنتاه من خرق للدستور و لأبسط معايير المحاكمة العادلة؟
ما هو موقفكم من استقلالية مهنة المحاماة التي يريد وزير العدل جعلها تابعة لوزارة العدل و النيابة العامة؟
ما هو موقفكم من حصانة الدفاع التي يريد وزير العدل و حكومته خنقها و خنق صوت المحامين معها ؟
أين هي القيمة المضافة التي أضفتموها لكل مشاريع القوانين التي أصبحت قوانين ؟
ما هي القيمة المضافة التي أضفتموها للنقاش الدائر حول مشروع قانون المحاماة ؟
و لماذا اقتصرتم في نقاشكم على المادتين 13 و 14 من المشروع ؟
هل تهمكم المحاماة كرسالة للدفاع عن الحقوق و الحريات حقا ؟ أم يهمكم فقط الولوج إليها دون قيد أو شرط؟
هاتوا مواقفكم فنحن نستمع!!!
الأستاذ رشيد أيت بلعربي ، محامي بهيئة القنيطرة.



