مقالات و آراء

العفو الملكي ترسيخ لقيم الأخوة الإنسانية وخطوة دبلوماسية حكيمة لتجديد ميثاق الوفاء بين المغرب والسنغال.

في لحظة تاريخية تتداخل فيها أبعاد السياسة بقيم الإنسانية وسمو الأخلاق، وتمتزج فيها الحكمة الدبلوماسية بروح الرحمة والوفاء للتاريخ ، جاء العفو المولوي الكريم الذي تفضل به صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله عن عدد من المشجعين السنغاليين المحكومين على خلفية أحداث واكبت منافسات كأس إفريقيا للأمم بالمغرب، ليتجاوز حدود الإجراء القانوني أو البروتوكول المرتبط بعيد الأضحى المبارك، ليعلن عن مبادرة حضارية عميقة تختزل فلسفة المملكة الشريفة في التعامل الإنساني، وتكشف البعد الروحي الإستثنائي للمؤسسة الملكية بقيادة أمير المؤمنين. فلم تكن هذه الإلتفاتة الملكية مجرد قرار سيادي ، بل جسيدت قيم الإسلام السمحة التي تجعل من العفو عند المقدرة أسمى مراتب القوة، ودليل قاطع على أن المملكة الشريفة لا تدير علاقاتها الخارجية بمنطق الحسابات السياسية الجافة، بل تقودها بروح التضامن الإنساني الأصيل وعمق الامتداد الإفريقي.

وتكتسي هذه المبادرة الملكية أهمية بالغة بالنظر إلى سياقها وتوقيتها المتزامن مع عيد الأضحى المبارك والتي إعتدنا فيها أن يتمتع عدد من السجناء في مختلف القضايا من مغاربة وأجانب التمتع بعفو ملكي، مبادرة تتزامن مع ما يحمله هذا العيد في الوجدان الإسلامي من معاني التضحية، والرحمة وصلة الرحم، وليتحول بفضل الحكمة الملكية إلى مناسبة لإحياء قيم الصفح والتخفيف عن الأسر ، وإعطاء فرصة جديدة للأمل والعودة إلى الحرية بمل مسؤولية. ولتأكد هذه المبادرة الملكية الحكيمة أن العدالة في الفكر الملكي لا تنفصل عن الرحمة، وأن الدولة القوية هي التي تجعل من الإنسانية جسر متين للمصالحة والإحتواء ضد إختراقات ومكائد الأعداء. وتأتي هذه الخطوة السامية لتقدم قراءة سياسية وإستشرافية دقيقة لآفاق العلاقات المغربية السنغالية في عهدها الجديد، لا سيما والسنغال تشهد مرحلة سياسية شابة بقيادة الرئيس باسيرو ديوماي فاي، حيث تتلقى داكار اليوم من الرباط رسالة مودة بالغة الأثر ترسخ إستمرارية ومأسسة الروابط الأخوية العابرة للأشخاص والحكومات، وتؤكد أن تهنئة جلالة الملك لأخيه الرئيس السنغالي وللشعب الشقيق هي تجديد لميثاق الوفاء بين بلدين لم يفرقهما التاريخ ولم تباعد بينهما الجغرافيا السياسية.
إن المتأمل في عمق هذه العلاقات يدرك أنها ليست وليدة مصالح ظرفية أو تقاطعات سياسية عابرة، بل هي أخوة روحية وتاريخية متجذرة عبر قرون حيث ظل المغرب منارة للعلم والتصوف والإعتدال الديني في غرب إفريقيا، وظلت السنغال وفية لهذا الإمتداد العميق من خلال الروابط المتينة التي تجمع الزوايا والطرق الصوفية والعلماء بمركز الخلافة والبيعة في الرباط ولا سيما مريدي الزاوية التيجانية الكبرى. لقد عبرت القوافل الروحية والصوفية الصحراء قبل أن تعبرها المصالح الإقتصادية، وحملت المحبة والتسامح قبل التجارة والبضائع مما يجعل من هذا العفو الملكي استجابة طبيعية لكرم الأبوة الروحية التي يشمل بها أمير المؤمنين أشقاءه في القارة.
وفي زمن تتزايد فيه خطابات الانغلاق والتشدد عبر العالم، يقدم المغرب ملكا وشعبا درسا بليغا في كيفية تحويل الهفوات الإنسانية إلى فرص لتمتين الجسور وإشاعة قيم التسامح والصفح و مؤكدا أن السيادة القانونية للمملكة تسير جنبا إلى جنب مع مرونة الدبلوماسية الإنسانية وعمق قيمها النبيلة.

ختاما، إن العفو المولوي لم يحرر فقط أشخاص من العقوبة، بل حرر المعنى الإنساني للعلاقات الدولية، وأثبت للعالم أن القوة الناعمة للمملكة تتغذى من نبع قيمي لا ينضب وأن إفريقيا في الرؤية الملكية ليست مجرد جغرافيا مشتركة بل هي روح ومصير مشترك، لتبقى هذه الالتفاتة صفحة مضيئة في سجل العلاقات بين البلدين وشهادة متجددة على ريادة نموذج مغربي متفرد، قوامه الرحمة وأساسه الكرامة الإنسانية.

د/ الحسين بكار السباعي
محلل سياسي وخبير إستراتيجي. مدير قطب افريقيا والتعاون الدولي.
المركز الدولي للأمن والهجرة والتنمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
ر

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock