تصريحات تلاميذ الباكالوريا تحت المجهر، من لحظة عفوية إلى مساءلة قانونية.

عادل بن الحبيب
بعد كل امتحان، تتزاحم الميكروفونات وتتسابق عدسات الهواتف والمنصات الرقمية لالتقاط أولى ردود أفعال التلاميذ الخارجين من قاعات الامتحان. في تلك اللحظة المشحونة بالتوتر والارتباك، يجد التلميذ نفسه فجأة أمام كاميرا تبحث عن تصريح مثير أو عبارة صادمة تحقق آلاف المشاهدات والتفاعلات، فيدلي برأي عفوي يظنه مجرد انطباع شخصي أو فضفضة عابرة، دون أن يدرك أن كلماته قد تتحول إلى مادة رقمية دائمة التداول، وربما إلى مصدر لمساءلات قانونية لم تخطر بباله.
لقد أصبحت مقابلات ما بعد امتحانات الباكالوريا تقليدا سنويا تنتظره المنصات الباحثة عن “البوز”. غير أن ما يبدو للوهلة الأولى ممارسة إعلامية عادية يطرح في العمق أسئلة قانونية وأخلاقية معقدة، خاصة عندما يتعلق الأمر بقاصرين لم يبلغ عدد كبير منهم سن الرشد القانوني بعد. فالتلميذ الخارج لتوه من الامتحان يكون في وضع نفسي استثنائي، تتداخل فيه مشاعر القلق والتعب والخوف من النتائج، وهو ما يجعله أكثر عرضة للإدلاء بتصريحات متسرعة أو أحكام انفعالية قد تتجاوز مجرد التعبير عن الرأي.
وتبرز الخطورة بشكل أكبر عندما تتحول هذه التصريحات من الحديث عن صعوبة الامتحان أو سهولته إلى إطلاق اتهامات أو مزاعم خطيرة. فكثيرا ما نسمع عبارات من قبيل: “الغش كان منتشرا”، أو “المراقبون كانوا متساهلين”، أو “الامتحان تم تسريبه”، أو “هناك تواطؤ داخل المركز”. مثل هذه الأقوال قد تبدو للبعض مجرد انطباعات شخصية، لكنها في حقيقتها تتضمن اتهامات تمس أشخاصا أو مؤسسات أو هيئات عمومية دون الاستناد إلى أدلة أو معطيات مثبتة. وفي الفضاء الرقمي لا تبقى الكلمة مجرد رأي عابر، بل تتحول إلى محتوى قابل للنشر وإعادة النشر والتعليق والتأويل، بما قد يترتب عنه المساس بسمعة الأفراد والمؤسسات وإثارة الرأي العام على أساس ادعاءات غير مؤكدة.
ومن هنا تطرح المسؤولية القانونية والأخلاقية للجهات التي تقف خلف الكاميرا. فالبحث المحموم عن نسب المشاهدة والتفاعل دفع بعض صناع المحتوى إلى التعامل مع التلاميذ باعتبارهم مادة إعلامية جاهزة لإنتاج محتوى سريع الانتشار، دون مراعاة لسنهم أو لوضعهم النفسي أو للنتائج المحتملة لما ينشر. كما أن اقتطاع التصريحات من سياقها الأصلي، أو وضع عناوين مثيرة ومبالغ فيها، أو التركيز على أكثر المقاطع إثارة للجدل، يحول المحتوى من نقل للحدث إلى صناعة للجدل، ومن ممارسة إعلامية إلى سلوك قد يثير إشكالات قانونية مرتبطة بحماية الحياة الخاصة وحق الصورة والمسؤولية عن نشر الادعاءات غير المثبتة.
ويزداد الأمر تعقيدا إذا استحضرنا أن أغلب هؤلاء التلاميذ لا يملكون أي صفة رسمية تخول لهم تقديم رواية دقيقة حول ظروف الامتحان أو نزاهة العملية الامتحانية. فهم يعبرون عن تجارب شخصية محدودة ومشاعر آنية مرتبطة بلحظة معينة، غير أن تداول تلك الانطباعات على نطاق واسع يجعلها تبدو وكأنها حقائق مطلقة. وهنا يكمن الخطر الحقيقي،إذ يتحول الانطباع الفردي إلى حكم جماعي، ويتحول الرأي الشخصي إلى خبر يتناقله الآلاف، بما قد يؤثر على صورة المؤسسات التعليمية وثقة المجتمع في منظومة الامتحانات.
كما أن جانبا آخر لا يقل أهمية يتعلق بحماية القاصرين في الفضاء الرقمي. فالفيديو الذي يتم تصويره ونشره اليوم قد يبقى متداولا لسنوات طويلة، وقد يجد التلميذ نفسه بعد فترة أمام محتوى لم يعد يعبر عنه أو عن نضجه الحالي، لكنه ما زال حاضرا في محركات البحث ومنصات التواصل. وهكذا تتحول لحظة عفوية قصيرة إلى أثر رقمي دائم قد يرافق صاحبها في مساره الدراسي أو المهني مستقبلا.
لا أحد يجادل في أن حرية التعبير حق أساسي، وأن من حق التلاميذ التعبير عن آرائهم ومشاعرهم بعد الامتحان. غير أن هذه الحرية لا تنفصل عن المسؤولية، كما أن نقل الرأي لا يعني بالضرورة تحويله إلى اتهام أو حقيقة غير قابلة للنقاش. والمسؤولية هنا لا تقع على التلميذ وحده، بل تمتد أيضا إلى الأسر والمؤسسات الإعلامية وصناع المحتوى الذين أصبحوا مطالبين بإدراك أن التعامل مع القاصرين يفرض قدرا أكبر من الحذر والوعي والالتزام المهني.
لقد تحولت أبواب مراكز الامتحانات في السنوات الأخيرة إلى استوديوهات مفتوحة، وتحولت لحظات الخروج من الامتحان إلى مادة رقمية تبحث عن المشاهدات أكثر مما تبحث عن المعلومة. وبين حق التلميذ في التعبير عن رأيه وحق المجتمع في الحصول على معلومة دقيقة ومسؤولة، تظل الحاجة ملحة إلى إعادة التفكير في هذه الممارسة برمتها. فالمسافة بين ميكروفون الشارع وقفص الاتهام الرقمي قد لا تتجاوز بضع ثوان من التسرع، وقد تكون كلمة واحدة كافية لتحويل لحظة عابرة بعد الامتحان إلى قضية تتجاوز حدود المدرسة بكثير.



