عيد العرش المجيد… سبعة وعشرون عامًا من بناء الدولة: الرؤية الملكية بين منجزات الحاضر واستحقاقات المستقبل

بقلم عبد الصمد بوطالب
من شرعية التاريخ إلى شرعية الإنجاز
ليست قوة الدول فيما تُنجزه من مشاريع فحسب، بل في قدرتها على تحويل تلك المشاريع إلى رؤية متكاملة تؤسس لمستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا. فالمشاريع، مهما بلغت أهميتها، تظل أدوات ووسائل، أما الدولة القادرة فهي تلك التي تنجح في تحويل المنجزات إلى مؤسسات راسخة، والسياسات العمومية إلى خيارات استراتيجية، والموارد إلى فرص تنموية مستدامة. ومن هذا المنطلق، يأتي الاحتفاء بالذكرى السابعة والعشرين لاعتلاء صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله عرش أسلافه المنعمين، ليس باعتباره مناسبة لاستحضار حصيلة منجزات فحسب، وإنما محطة وطنية للتأمل في المسار الذي سلكه المغرب وفي التحول العميق الذي عرفته فلسفة بناء الدولة خلال أكثر من ربع قرن.
لقد شكل اعتلاء جلالة الملك العرش سنة 1999 بداية مرحلة جديدة في التاريخ السياسي والمؤسساتي للمملكة، عنوانها الانتقال من منطق تدبير المرحلة إلى منطق صناعة المستقبل. فمنذ السنوات الأولى للعهد الجديد، لم يكن الهدف إنجاز مشاريع معزولة أو إطلاق أوراش ظرفية بل إعادة تشكيل مفهوم الدولة التنموية وفق رؤية تجعل الإنسان محور السياسات العمومية والتنمية وسيلة لترسيخ العدالة الاجتماعية، والمؤسسات ركيزة للاستقرار والانفتاح خيارًا استراتيجيًا لتعزيز مكانة المغرب إقليميًا ودوليا.
إن قراءة متأنية للمسار المغربي خلال العقود الأخيرة تكشف أن المملكة لم تعتمد مقاربة تقوم على الاستجابة الآنية للتحديات، وإنما اختارت نهجًا يقوم على استباق التحولات، وهو ما يفسر تنوع الأوراش التي أطلقها جلالة الملك في مجالات البنية التحتية، والاقتصاد، والصناعة، والطاقة، والمجال الاجتماعي، والإصلاح الإداري، والدبلوماسية، والأمن، في إطار رؤية متكاملة تسعى إلى بناء دولة قوية بمؤسساتها، وقادرة على التكيف مع المتغيرات الإقليمية والدولية.
ولعل ما يميز هذه المرحلة أن مفهوم التنمية لم يعد محصورا في تشييد الطرق والموانئ والمطارات والمناطق الصناعية على أهميتها بل أصبح أكثر ارتباطًا ببناء الإنسان وتأهيله وتحقيق الإنصاف المجالي وضمان العدالة الاجتماعية وتعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات. فالدولة الحديثة لا تقاس بعدد المشاريع التي تنجزها فقط وإنما بقدرتها على جعل تلك المشاريع ترفع من جودة الحياة وتوسع دائرة الفرص وتحصن المجتمع في مواجهة الأزمات.
وقد برهنت السنوات الأخيرة على أن المغرب انتقل إلى مرحلة أكثر نضجا في تدبير الشأن العام حيث لم تعد الأولوية تقتصر على تحقيق نسب النمو أو مضاعفة الاستثمارات وإنما أصبحت مرتبطة ببناء مقومات الصمود الوطني. فقد كشفت الأزمات العالمية من جائحة كوفيد-19 إلى التغيرات المناخية والاضطرابات الجيوسياسية أن الدول التي تمتلك مؤسسات قوية ورؤية استشرافية، وسياسات عمومية متماسكة هي الأقدر على حماية مواطنيها وضمان استمرارية التنمية.
وفي هذا السياق تبرز الرؤية الملكية باعتبارها مشروعا لبناء الدولة القادرة وهي الدولة التي لا تكتفي بردود الأفعال بل تستشرف المستقبل وتستعد له. ومن هنا نفهم لماذا تحولت قضايا مثل الأمن المائي والسيادة الغذائية والحماية الاجتماعية، الطاقات المتجددة والتحول الرقمي و تشجيع الاستثمار إلى أولويات استراتيجية، لأنها لم تعد مجرد ملفات قطاعية بل أصبحت عناصر أساسية في تعزيز الأمن الشامل للمملكة.
إن المتتبع للخطب الملكية خلال السنوات الأخيرة يلاحظ بوضوح أن جلالة الملك لم يعد يركز فقط على إعلان المشاريع بل أصبح يؤكد باستمرار على النجاعة وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتسريع وتيرة التنفيذ وتحقيق الأثر الحقيقي للسياسات العمومية على حياة المواطنين. وهذا التحول يعكس انتقال المغرب من مرحلة تأسيس الأوراش الكبرى إلى مرحلة ترسيخ حكامة الإنجاز وقياس أثر التنمية بما يضمن استدامة المكتسبات ورفع كفاءة الأداء العمومي.
ومن هنا يمكن القول إن الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش المجيد ليست مناسبة لاستحضار الماضي بقدر ما هي فرصة لقراءة المستقبل. فالمغرب اليوم لا يقف عند حدود الاحتفاء بما تحقق، وإنما ينظر إلى ما ينبغي تحقيقه خلال العقود المقبلة في ظل عالم سريع التحول، تتغير فيه موازين القوة الاقتصادية والتكنولوجية والجيوسياسية بوتيرة غير مسبوقة.
لقد نجح المغرب في بناء أسس قوية للدولة الحديثة غير أن التحدي الأكبر لم يعد يكمن في إطلاق الأوراش، بل في تعميق أثرها، وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني، وترسيخ العدالة المجالية واستثمار الرأسمال البشري وإعداد أجيال قادرة على قيادة المرحلة المقبلة. وهنا تتجلى حقيقة المشروع الملكي باعتباره مشروعًا لبناء دولة المستقبل لا مجرد برنامج حكومي محدود بزمن أو ولاية بل رؤية استراتيجية تمتد عبر الأجيال وتستند إلى الاستمرارية والتخطيط والإصلاح المتدرج والقدرة على التكيف مع التحولات.
من هذا المنظور يصبح عيد العرش المجيد أكثر من مناسبة وطنية للاحتفاء بل موعدًا سنويًا لتجديد الثقة في مشروع وطني متكامل، ووقفة تأمل في مسار دولة اختارت أن تجعل من الاستقرار منطلقًا للتنمية ومن التنمية رافعة للكرامة ومن الإنسان غاية كل السياسات العمومية. وهي رسالة تؤكد أن المغرب، بقيادة جلالة الملك محمد السادس نصره الله لم يعد يعيش مرحلة إنجاز المشاريع فقط بل دخل مرحلة بناء الدولة القادرة على مواجهة تحديات المستقبل وصناعة الفرص وتعزيز مكانته بين الأمم بثقة ورؤية واستشراف.
التنمية بوصفها مشروع دولة لا تجميعًا للمشاريع.
إذا كان بناء الطرق والموانئ والمناطق الصناعية يمثل مؤشرًا على قدرة الدول على الإنجاز فإن بناء الإنسان وضمان استدامة التنمية يمثلان المعيار الحقيقي لنجاح الدول في القرن الحادي والعشرين. ومن هنا يمكن فهم التحول الذي عرفته الرؤية الملكية خلال السنوات الأخيرة حيث انتقل المغرب تدريجيًا من مرحلة إرساء البنيات الأساسية الكبرى إلى مرحلة أكثر عمقًا ترتبط بتعزيز مقومات الدولة الاجتماعية وترسيخ شروط الصمود الاقتصادي والسيادي.
لقد أدرك المغرب مبكرا أن التنمية لا يمكن أن تختزل في الأرقام والمؤشرات الاقتصادية وحدها، لأن النمو الاقتصادي الذي لا ينعكس على جودة حياة المواطنين يظل نموًا ناقصًا والتنمية التي لا تحقق العدالة المجالية تتحول إلى مصدر لتفاقم الفوارق بدل تقليصها. لذلك جاءت التوجيهات الملكية المتعاقبة لتؤكد أن الغاية النهائية لكل السياسات العمومية هي الإنسان، باعتباره الثروة الحقيقية للأمم ومحور كل مشروع تنموي.
وفي هذا الإطار شكل تعميم الحماية الاجتماعية أحد أكبر التحولات الاجتماعية التي عرفتها المملكة خلال العقود الأخيرة. فالأمر لا يتعلق ببرنامج اجتماعي ظرفي أو بإجراء تقني محدود بل بتحول استراتيجي يعيد صياغة العلاقة بين الدولة والمواطن على أساس ضمان الحق في الولوج إلى الخدمات الصحية والحماية الاجتماعية والتغطية الصحية والدعم الاجتماعي. وهي رؤية تعكس الانتقال من منطق التدخلات الاجتماعية الجزئية إلى بناء منظومة متكاملة للأمن الاجتماعي، باعتبار أن الاستقرار الاجتماعي يشكل أحد أهم مرتكزات الاستقرار الوطني.
كما أن الاهتمام المتزايد بقطاع الصحة لم يكن معزولًا عن هذا التصور الشامل. فقد كشفت جائحة كوفيد-19 أن الأمن الصحي أصبح جزءًا لا يتجزأ من الأمن الوطني، وأن قدرة الدولة على حماية صحة مواطنيها لا تقل أهمية عن قدرتها على حماية حدودها أو ضمان استقرارها الاقتصادي. ومن هنا جاءت الإصلاحات الكبرى التي يشهدها القطاع الصحي بهدف بناء منظومة أكثر نجاعة وإنصافًا وقدرة على الاستجابة للتحديات المستقبلية.
وفي المقابل برز الأمن المائي باعتباره أحد أكبر الرهانات الاستراتيجية للمغرب. فالتغيرات المناخية وما رافقها من توالي سنوات الجفاف جعلت قضية الماء تنتقل من مستوى التدبير القطاعي إلى مستوى الأولوية الوطنية. ولهذا فإن السياسة المائية التي يقودها المغرب اليوم لا ترتبط فقط ببناء السدود أو إنجاز مشاريع تحلية مياه البحر، وإنما تندرج ضمن تصور استراتيجي يهدف إلى ضمان الحق في الماء وتعزيز الأمن المائي للأجيال المقبلة، باعتباره أحد مقومات السيادة الوطنية والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.
الأمر نفسه ينطبق على السيادة الغذائية والطاقية. فقد أثبتت الأزمات الدولية الأخيرة أن الدول التي تعتمد بشكل مفرط على الخارج في تلبية حاجياتها الأساسية تكون أكثر عرضة للهشاشة والتقلبات العالمية. لذلك عمل المغرب على تعزيز أمنه الغذائي وتطوير قطاعاته الإنتاجية والاستثمار في الطاقات المتجددة، ليس فقط من أجل تحقيق النمو الاقتصادي بل من أجل ترسيخ استقلالية القرار الوطني وتقوية القدرة على مواجهة الأزمات.
ولعل أحد أبرز تجليات الرؤية الملكية يتمثل في اعتبار الاستثمار رافعة أساسية لتحقيق التنمية وخلق فرص الشغل. غير أن الاستثمار في التصور الملكي لا يقتصر على جذب رؤوس الأموال أو تحسين المؤشرات الاقتصادية، بل يرتبط بقدرته على تحقيق العدالة المجالية وخلق القيمة المضافة وتوسيع دائرة الفرص أمام مختلف فئات المجتمع. ولذلك ظلت مسألة تقليص الفوارق المجالية بين الجهات والأقاليم حاضرة بقوة ضمن التوجيهات الملكية، لأن التنمية الحقيقية لا تكتمل إلا حين يشعر المواطن، أينما كان، بأن ثمارها تصل إليه بصورة عادلة ومتوازنة.
إن المتأمل في مختلف هذه الأوراش يدرك أنها ليست مبادرات متفرقة أو مشاريع مستقلة عن بعضها البعض، بل حلقات متكاملة ضمن مشروع وطني واحد. فالحماية الاجتماعية ترتبط بالإصلاح الصحي والأمن المائي يرتبط بالأمن الغذائي، والاستثمار يرتبط بالتشغيل والعدالة المجالية ترتبط بالاستقرار الاجتماعي وكلها تصب في هدف مركزي يتمثل في بناء دولة قوية وقادرة على حماية مكتسباتها ومواطنيها في عالم تتزايد فيه التحديات والمخاطر.
وهكذا يتضح أن المغرب لم يعد يعيش مرحلة البحث عن التنمية بل انتقل إلى مرحلة إعادة تعريف مفهوم التنمية ذاته. إنها تنمية لا تقاس فقط بحجم المنشآت أو نسبة النمو، وإنما بمدى قدرة الدولة على بناء مجتمع أكثر إنصافًا، واقتصاد أكثر تنافسية، ومؤسسات أكثر فعالية، وإنسان أكثر قدرة على الإبداع والمساهمة في صناعة المستقبل. ومن هنا تبرز حقيقة المشروع الملكي باعتباره مشروع دولة يهدف إلى الانتقال بالمغرب من منطق الإنجاز إلى منطق الاستدامة، ومن تدبير الحاضر إلى الاستعداد الواعي لتحديات المستقبل.
الشباب وتجديد النخب… من بناء المؤسسات إلى بناء الإنسان السياسي
إذا كانت التنمية المستدامة تحتاج إلى اقتصاد قوي ومؤسسات فعالة فإنها تحتاج بالقدر نفسه إلى مواطن يؤمن بدوره في صناعة المستقبل. ومن هذا المنطلق لم يكن اهتمام صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله بالشباب مجرد اهتمام بفئة عمرية تشكل النسبة الأكبر من المجتمع بل كان تعبيرًا عن قناعة راسخة بأن مستقبل الدولة يبدأ من مستقبل شبابها، وأن نجاح أي مشروع تنموي يظل رهينًا بمدى قدرة الأجيال الصاعدة على حمل مسؤولية استمراره وتطويره.
لقد حملت الخطب الملكية على امتداد سنوات العهد الجديد رسائل متكررة تؤكد أن الشباب ليسوا موضوعًا للسياسات العمومية فحسب بل شركاء في صياغتها وتنفيذها وتقييمها وهذه الرؤية تمثل تحولًا نوعيًا في مفهوم المشاركة، إذ لم يعد المطلوب من الشباب أن يكونوا مجرد مستفيدين من برامج التنمية وإنما فاعلين فيها، ومساهمين في إنتاج الحلول وحاضرين داخل المؤسسات المنتخبة، والأحزاب السياسية، وهيئات المجتمع المدني، ومختلف فضاءات النقاش العمومي.
ولعل من أبرز التحديات التي نبه إليها جلالة الملك، بشكل مباشر أو غير مباشر، ضرورة تجديد النخب الوطنية. فالدولة التي تطمح إلى مواكبة التحولات العالمية لا يمكن أن تظل رهينة أساليب تقليدية في التدبير، أو أن تكتفي بإعادة إنتاج النخب نفسها دون فسح المجال أمام الكفاءات الجديدة. إن تجديد النخب ليس مسألة عمر أو جي بل هو تجديد في الفكر وفي الكفاءة وفي القدرة على الابتكار وفي تحمل المسؤولية بروح وطنية تتجاوز الحسابات الضيقة.
ومن هنا فإن الدعوة الملكية إلى انخراط الشباب في العمل السياسي لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها دعوة ظرفية مرتبطة باستحقاق انتخابي، وإنما باعتبارها دعوة إلى إعادة الاعتبار للفعل السياسي النبيل باعتباره أحد أهم أدوات بناء الدولة الحديثة. فالسياسة في جوهرها ليست صراعًا على المواقع وإنما تدبير للشأن العام وصناعة للقرار وتحمل للمسؤولية أمام الوطن والمواطن.
إن العزوف السياسي الذي تعرفه فئات من الشباب لا يمكن معالجته بالشعارات وحدها، بل يتطلب تجديد الخطاب السياسي وتعزيز الثقة في المؤسسات وفتح المجال أمام الكفاءات، وربط المسؤولية بالمحاسبة وترسيخ ثقافة الاستحقاق. فحين يشعر الشاب أن الكفاءة هي معيار التقدم، وأن المؤسسات تحتضن الطاقات الجديدة، يتحول الانخراط السياسي من واجب أخلاقي إلى خيار طبيعي ومسؤول.
وفي هذا السياق، تبدو الرسالة الملكية واضحة؛ فبناء مغرب المستقبل لن يتحقق بالاستثمار في الحجر وحده، بل بالاستثمار في الإنسان، وفي وعيه، وفي كفاءته وفي حسه الوطني. إن الدولة الحديثة لا تقوم فقط على القوانين والمؤسسات، بل تقوم أيضًا على مواطن يمتلك ثقافة المشاركة، ويؤمن بالحوار ويحترم الاختلاف ويعتبر خدمة الصالح العام مسؤولية مشتركة.
كما أن التحولات الكبرى التي يشهدها العالم اليوم من الثورة الرقمية إلى الذكاء الاصطناعي، ومن الاقتصاد الأخضر إلى الصناعات المتقدمة، تفرض على المغرب أن يهيئ جيلًا جديدًا من القيادات والكفاءات القادرة على التفاعل مع هذه المتغيرات. وهذا لن يتحقق إلا إذا أصبحت المدرسة والجامعة والحزب والجماعة الترابية والجمعية فضاءات حقيقية لصناعة المواطن الفاعل، لا مجرد مؤسسات لتدبير الشأن اليومي.
إن الرهان الحقيقي خلال العقود المقبلة لن يكون فقط في تشييد مزيد من الطرق أو المناطق الصناعية، وإنما في بناء جيل يمتلك الكفاءة، والوعي وروح المبادرة والإيمان بالمصلحة العامة. فالأوطان لا تبنى بالإمكانات المادية وحدها، وإنما تبنى قبل كل شيء بالإنسان القادر على تحويل تلك الإمكانات إلى إنجازات مستدامة.
ولذلك، فإن الدعوة الملكية إلى إشراك الشباب في الحياة السياسية والمؤسساتية ليست مجرد توجيه ظرفي، بل هي جزء أصيل من مشروع بناء الدولة. فكل إصلاح اقتصادي أو اجتماعي أو مؤسساتي يحتاج إلى نخب جديدة تؤمن بروح الإصلاح، وإلى شباب يعتبر السياسة وسيلة لخدمة الوطن، لا مجرد وسيلة لتحقيق المكاسب.
ومن هنا، فإن مستقبل المغرب لن يُحسم فقط داخل الإدارات أو المؤسسات، بل سيُحسم أيضًا بقدرة شبابه على الانتقال من موقع المتفرج إلى موقع الفاعل، ومن منطق الانتظار إلى ثقافة المبادرة، ومن النقد السلبي إلى المساهمة الواعية في بناء وطن يزداد قوة بمنجزاته، ويزداد رسوخًا بمواطنيه.
من منجزات الحاضر إلى استحقاقات المستقبل
إن الاحتفاء بعيد العرش المجيد لا يكتمل باستحضار ما تحقق من إنجازات مهما كانت أهميتها وإنما يكتسب معناه الحقيقي عندما يتحول إلى لحظة للتأمل في المستقبل، وإلى مناسبة لتجديد الوعي الجماعي بأن بناء الدول مشروع متواصل لا يعرف الاكتمال، وأن كل مرحلة تنموية تفتح الباب أمام مرحلة أكثر طموحًا وأكثر تعقيدًا.
لقد استطاع المغرب خلال سبعة وعشرين عامًا من العهد الزاهر لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله أن يرسخ أسس دولة حديثة تجمع بين الاستقرار السياسي، والإصلاح المؤسساتي، والانفتاح الاقتصادي، والبعد الاجتماعي، والحضور الدبلوماسي الفاعل. غير أن القيمة الحقيقية لهذا المسار لا تكمن في حجم المشاريع التي أنجزت، وإنما في الفلسفة التي حكمت بناءها، وهي فلسفة تقوم على الاستمرارية، والتخطيط البعيد المدى، وربط التنمية بالإنسان، وربط الإصلاح بالمصلحة العليا للوطن.
إن العالم الذي ندخله اليوم يختلف جذريًا عن العالم الذي عرفناه قبل عقدين. فالتنافس بين الدول لم يعد يقاس فقط بحجم الثروات الطبيعية أو عدد السكان، بل أصبح يقاس بقدرتها على إنتاج المعرفة، وامتلاك التكنولوجيا، وتأهيل الرأسمال البشري، وتحقيق الأمن الغذائي والمائي والطاقي وتعزيز السيادة الاقتصادية، وبناء مؤسسات مرنة وقادرة على التكيف مع التحولات المتسارعة.
ومن هنا، فإن التحديات التي تنتظر المغرب خلال العقد المقبل لن تكون امتدادًا لتحديات الأمس، بل ستكون أكثر ارتباطًا بالذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي، والاقتصاد الأخضر، والأمن السيبراني، والابتكار، والتنافسية العالمية. وهي رهانات لا يمكن كسبها بالاستثمار في البنية التحتية وحدها، بل بالاستثمار في الإنسان، وفي الجامعة، وفي البحث العلمي، وفي المقاولة، وفي الكفاءة، وفي ترسيخ ثقافة المسؤولية والإبداع.
وفي هذا السياق، تكتسب الدعوة الملكية إلى تمكين الشباب وتجديد النخب دلالة استراتيجية عميقة، لأن بناء المستقبل لا يتحقق إلا بسواعد جيل يؤمن بقيم الوطن، ويملك أدوات العصر، ويجمع بين الاعتزاز بالهوية والانفتاح على العالم. فالدول التي تكسب رهانات المستقبل هي تلك التي تجعل من شبابها قوة اقتراح وإنتاج وقيادة، لا مجرد قوة عددية أو انتخابية.
كما أن نجاح المشروع التنموي المغربي سيظل رهينًا بقدرة مختلف الفاعلين، من مؤسسات وأحزاب وجماعات ترابية وجامعات ومجتمع مدني وقطاع خاص، على تحويل التوجيهات الملكية إلى سياسات ناجعة ومبادرات مسؤولة وممارسات يومية تعزز ثقة المواطن في مؤسساته، وتجعل التنمية أثرًا ملموسًا في حياته.
إن الرؤية الملكية، كما تجلت عبر مختلف الأوراش والإصلاحات، لا تقدم حلولًا ظرفية، بل تؤسس لمسار تاريخي يقوم على بناء دولة قوية بمؤسساته عادلة في سياساتها منفتحة في خياراتها وطموحة في رؤيتها. وهي رؤية تؤكد أن التنمية ليست غاية في حد ذاتها بل وسيلة لبناء مجتمع أكثر كرامة، وأكثر عدلًا وأكثر قدرة على مواجهة التحولات العالمية.
وفي الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش المجيد، تبدو الصورة أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. فالمغرب لم يعد يقاس فقط بما أنجزه من طرق وموانئ ومناطق صناعية ومشاريع كبرى بل بما راكمه من خبرة مؤسساتية وما أسسه من استقرار سياسي، وما بناه من ثقة في المستقبل، وما أرساه من رؤية تجعل من الإنسان محور التنمية، ومن الدولة أداة لخدمة المواطن ومن الوطن فضاء لصناعة الفرص لا لانتظارها.
لقد انتقل المغرب من مرحلة بناء المشاريع إلى مرحلة بناء الدولة ومن منطق الإنجاز إلى منطق الاستدامة، ومن مواجهة التحديات إلى الاستعداد الاستراتيجي لما تفرضه التحولات الدولية من رهانات جديدة. وتلك في جوهرها هي الرسالة التي يحملها عيد العرش المجيد؛ ليس فقط الاحتفاء بمنجزات الماضي، وإنما تجديد العهد مع المستقبل والإيمان بأن قوة الأوطان لا تُبنى بما تحقق بالأمس، بل بما تملك من رؤية لما ينبغي أن يتحقق غدًا، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده.
عبد الصمد بوطالب رئيس مجلس شباب ورزازات



