مقالات و آراء

من العدالة والتنمية إلى الاستقلال ، ومن الاستقلال إلى الأصالة والمعاصرة، هل أصبحت البوصلة الانتخابية بلا اتجاه ؟

هنا 24 / عبد الصادق النوراني .

ثلاث ولايات انتخابية ، وثلاث محطات حزبية ، تلك هي خلاصة المسار السياسي للمستشار الجماعي خليل بولحسن الذي اختار هذه المرة أن يحط الرحال بحزب الأصالة والمعاصرة قادما إليه من حزب الاستقلال بعدما كان قد ولج هذا الأخير قادما من حزب العدالة والتنمية الذي كان بوابة دخوله إلى العمل السياسي .
قد يبدو الأمر في ظاهره، مجرد انتقال حزبي آخر من حق أي منتخب أن يمارسه ما دام القانون لا يمنعه . لكن السياسة ليست مجرد مقاعد انتخابية وألوان حزبية تتغير بتغير المواسم ، بل هي قبل كل شيء مواقف ومبادئ وقناعات ومسؤولية أخلاقية أمام الناخبين .
وهنا تحديدا تكمن المفارقة ، فالرجل، المعروف بملامحه الدينية وخلفيته الإسلامية ، بدأ مساره السياسي داخل حزب العدالة والتنمية قبل أن ينتقل إلى حزب الاستقلال ثم يجد نفسه اليوم داخل حزب الأصالة والمعاصرة ذي المرجعية الحداثية والذي ارتبط تأسيسه تاريخيا بفؤاد عالي الهمة، في مرحلة شهدت صراعا سياسيا وإعلاميا محتدماً مع حزب العدالة والتنمية .
ثلاث محطات وثلاثة ألوان وثلاثة عناوين سياسية مختلفة . أما السؤال الذي يفرض نفسه فهو ، ما الذي بقي ثابتا في كل هذا المسار ؟
فإذا كانت القناعات السياسية قابلة لإعادة التموضع بهذه السرعة ، وإذا كان المنتخب يستطيع أن ينتقل من أقصى اليمين إلى الوسط ، ومن خطاب ذي خلفية إسلامية إلى فضاء حداثي دون أن يقدم للناخب تفسيرا سياسيا مقنعا ، فماذا يبقى من معنى الانتماء الحزبي ؟ وماذا يبقى من قيمة البرامج والمرجعيات والإيديولوجيات ؟
والأكثر إثارة أن مؤشرات هذا الانتقال لم تأت من فراغ . فقد سبقت الالتحاق الجديدَ خرجة إعلامية وزعت فيها الورود بسخاء على قيادة الأصالة والمعاصرة حين وصف فاطمة الزهراء المنصوري بأنها (أحسن عمدة مرت على مراكش) و(أحسن وزيرة مراكشية عبر التاريخ) ، وهي عبارات تبدو في سياقها السياسي أقرب إلى إعلان نوايا منها إلى مجرد مجاملة عابرة .
لكن التاريخ لا يُكتب بالورود وحدها ، ولا تمحى منه الأسماء بجرة تصريح .
فحين نتحدث عن أفضل العمداء والوزراء المراكشيين عبر التاريخ ، فإن الذاكرة السياسية للمدينة تستحضر أسماء وازنة من قبيل عبد الله إبراهيم ، ومحمد الخليفة ، ومحمد الوفا ، ومحمد بوستة ، وغيرهم ممن تركوا بصماتهم في الحياة السياسية والوطنية. لذلك فإن إطلاق أحكام مطلقة من هذا النوع لا يحتاج فقط إلى الحماس السياسي ، بل يحتاج أيضا إلى قدر من الإنصاف تجاه تاريخ مدينة أنجبت رجال دولة لا يمكن اختزالهم في لحظة انتخابية عابرة .
المشكلة في النهاية ليست في خليل بولحسن وحده ولا في انتقاله الأخير من حزب إلى آخر ، وإنما في ظاهرة أوسع اسمها الترحال السياسي ، حين يتحول الحزب من فضاء للقناعة والالتزام إلى مجرد محطة للوصول إلى كرسي أو الحفاظ عليه .
وعندما تصبح الألوان الحزبية قابلة للتبديل كما تبدل القمصان ، يصبح المواطن هو الخاسر الأكبر لأنه لم يعد يعرف أين تنتهي القناعة وأين تبدأ المصلحة الانتخابية وأين ينتهي الالتزام الحزبي وأين يبدأ البحث عن موقع جديد تحت شمس سياسية جديدة .
السياسة التي لا مبدأ لها ، تتحول إلى مجرد هندسة للمقاعد ، والمنتخب الذي لا يحمل مشروعا سياسيا واضحاً يتحول شئنا أم أبينا إلى كائن انتخابي همه البقاء في دائرة الضوء ولو اقتضى ذلك عبور أكثر من بوابة حزبية خلال ثلاث ولايات .
ولعل أخطر ما في هذه الظاهرة أنها لا تقتل فقط معنى الانتماء الحزبي ، بل تقتل أيضا ثقة المواطن في السياسة نفسها .
فحين يرى المواطن أن بعض المنتخبين ينتقلون بين الأحزاب دون أن تتغير مواقفهم بالقدر نفسه الذي تتغير فيه ألوانهم ، فمن الطبيعي أن يتساءل ، لماذا أذهب إلى صناديق الاقتراع إذا كان صوتي سيمنح شخصا مقعدا ثم يقرر هو لاحقا أي حزب يناسب موقعه الجديد ؟
هنا تبدأ السياسة في فقدان معناها ، وهنا يبدأ المواطن في فقدان ثقته .
وإذا كانت الأحزاب تريد فعلا استعادة ثقة المغاربة في المؤسسات المنتخبة ، فعليها ألا تتعامل مع الترحال السياسي باعتباره مجرد استقطاب لمنتخب جديد ، بل أن تسأل نفسها ، هل نحن نستقطب أصحاب المشاريع والقناعات ، أم نستقطب فقط أصحاب المقاعد والأصوات ؟
لأن الديمقراطية لا تفسد فقط عندما تشترى الأصوات ،
بل تفسد أيضا عندما تصبح القناعات نفسها قابلة للبيع والشراء والتبديل مع كل موسم انتخابي .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
ر

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock