ذكرى إسترجاع وادي الذهب مناسبة وطنية تصنع وعي المستقبل

تحل اليوم الذكرى47 لإسترجاع إقليم وادي الذهب، ذكرى تعيد إلى الوعي الوطني محطة مفصلية من تاريخ استكمال الوحدة الترابية للمملكة، ففي 14 غشت 1979 قدم علماء وأعيان وشيوخ قبائل وادي الذهب بيعتهم إلى جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني، في حدث لم يكن مجرد إجراء سياسي أو تحول جغرافي، بل تعبير تاريخي عن رسوخ الإنتماء إلى المغرب، وعن البيعة بوصفها رابطة شرعية وروحية وحضارية تصل العرش بالشعب، وتؤكد أن وحدة الوطن كانت ولاتزال بناء للوحدة والقوة ، و لحضة نستحضر فيهل إمتداد الذاكرة المشتركة والإرادة الجماعية المتجددة بين مكونات الوطن من طنجة الى الكويرة.
إن أول الدروس التي تمنحها هذه الذكرى، جيلا بعد جيل، أن الوحدة الوطنية لا تصان بالشعارات وحدها، بل بالوعي والمعرفة والتنمية والعدالة المجالية. فما تحقق بتضحيات الأجداد ينبغي أن يحميه الأبناء بالعلم والعمل والمشاركة المواطنة، وأن يحوله الأحفاد إلى تنمية مستدامة وقوة دبلوماسية وإقتصادية وثقافية. ومن هنا تتجلى القيمة الاستشرافية للذكرى وذلك بالإنتقال من إستحضار حدث التحرير والإسترجاع إلى بناء نموذج تنموي يجعل الداخلة ووادي الذهب فضاء إستراتيجي منفتح على إفريقيا والعالم، وقاعدة للإقتصاد الأزرق والطاقات المتجددة والإستثمار المنتج.
غير أن السؤال الحقيقي لا يتعلق بمدى حضور الشباب وإهتمامه في هذه المحطات الاحتفالات بذكرى من ذاكرة أمة ووطن ، بل بمدى حضور معنى الذكرى في وعيهم الجماعي وإيمانهم بتوابتهم الوطنية.
إن الجيل الرقمي ليس أقل وطنية من الأجيال السابقة، لكنه يتلقى المعرفة بلغة حوار مختلفة، ويبحث عن المعلومة السريعة والصورة المؤثرة والقصة الموثقة من خلال خوارزميات غير محددة المصادر في زمن ينتقل فيه كم كبير من المغالطات والأخبار الكادبة في أقل من ثانية. لذلك لا يجوز لنا أبدا أن نلوم شبابنا على ضعف معرفتهم بتاريخ وطنهم إذا لم نقدم لهم هذا التاريخ بأساليب تفاعلية جذابة، تربط الماضي بأسئلة الحاضر والمستقبل. فالوطنية لا تورث آليا، وإنما تبنى بالتربية والقدوة والمعرفة النقدية، وتترسخ حين يدرك الشباب أن الأعياد الوطنية ليست طقوس بروتوكولية، بل محطات لفهم ثمن السيادة ومسؤولية المحافظة عليها. وبقدر ما تبذله المدرسة والإعلام من جهود، فإن حضورهما لا يزال في حاجة إلى مراجعة عميقة،إذ كثيرا ما تقدم المناسبات الوطنية في صورة دروس جامدة أو برامج موسمية تنتهي بإنتهاء تاريخ الإحتفال، بينما المطلوب إدماج التاريخ الوطني في مشروع تربوي وإعلامي دائم، يقوم على الوثيقة والشهادة الحية والأرشيف الذي لابد من توثيقه الرقمي والزيارات الميدانية والأفلام الوثائقية والمنصات التفاعلية، مع تمكين الشباب من إنتاج محتوى وطني بلغتهم وأدوات عصرهم. كما ينبغي للإعلام أن ينتقل من التغطية الإحتفالية إلى صناعة معرفة تاريخية رصينة تواجه التضليل، وتشرح للأجيال الجديدة أبعاد القضية الوطنية بعيدا عن التلقين والمبالغة.
ختاما، إن أفضل وفاء لذكرى إسترجاع وادي الذهب هو أن نجعل منها مدرسة للمواطنة ومصدر للثقة في المستقبل، فالوطن الذي يحسن رواية تاريخه لأبنائه يضمن إستمرار معانيه في وجدانهم، أما الذاكرة التي لا تتجدد فإنها تتحول بشكل تدريجي إلى مناسبة عابرة. لذلك تظل مسؤوليتنا جميعا أن نحول الأعياد الوطنية من تواريخ محفوظة لاتظهر الى في إحتفالات موسمية إلى قيم معيشة ووعي وطني متواصل، حتى يبقى وادي الذهب شاهدا على وحدة المغرب، ورمز لوطن يصون ذاكرته بالتنمية، ويحمي سيادته بالوعي ويصنع مستقبله بوحدة أبنائه، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده.
د/ الحسين بكار السباعي
محلل سياسي وخبير إستراتيجي.
مدير قطب إفريقيا والتعاون الدولي.
المركز الدولي للأمن والهجرة والتنمية.



