المتقاضي بين حماية المستهلك وإستقلال الدفاع، قراءة نقدية في رسالة الجامعة المغربية لحقوق المستهلك.

أثارت الرسالة المفتوحة التي وجهتها الجامعة المغربية لحقوق المستهلك إلى وزير العدل، بشأن تداعيات توقف المحامين عن أداء مهامهم، صورة لتساؤلات مشروعة متعلقة بحماية المعتقلين وأصحاب القضايا الإستعجالية والآجال القانونية والمستفيدين من المساعدة القضائية. غير أن مشروعية هذا التساؤل لا تعني بالضرورة سلامة التكييف القانوني الذي إعتمدته الرسالة أو ملاءمة جميع الحلول التي اقترحتها.
فالقانون رقم 31.08 المتعلق بحماية المستهلك قد يمتد بحسب طبيعة العلاقة والنزاع إلى بعض الجوانب الاقتصادية والتعاقدية بين المحامي وموكله، ولا سيما ما يرتبط بالإعلام والشفافية والأتعاب والشروط التعاقدية. لكن ذلك لا يسمح بإختزال المحاماة في خدمة تجارية عادية ولا المتقاضي في مجرد مستهلك، لأن العلاقة مع المحامي تجمع بين العقد والثقة والسر المهني، وترتبط قبل ذلك كله بضمان حق دستوري في الدفاع والمحاكمة العادلة. لذلك يجب التوفيق بين قواعد قانون العقود والإلتزامات وبين قانون حماية المستهلك والقانون الخاص المنظم لمهنة المحاماة، مع أولوية التطبيق كنص خاص لقانون المحاماة متى تعلق الأمر بجوهر مهمة الدفاع وإستقلالها.
إن وصف التمثيل القضائي الذي جاءت به رسالة الجامعة المغربية لحماية المستهلك على أنه “احتكار” لا يبدو دقيقا، فإسناد بعض أعمال المؤازرة والتمثيل إلى المحامين إختصاص مهني مقنن تبرره الكفاءة والإستقلال والمسؤولية والتأمين والتأديب، وليس احتكار إقتصادي لسلعة أو خدمة. والإشكال الحقيقي لا يكمن في وجود هذا التنظيم، بل في إحتمال تحوله أثناء التوقف الجماعي إلى عائق فعلي أمام الوصول إلى العدالة. ومن ثم فالحل ليس فتح التمثيل أمام أشخاص غير مؤهلين، بما قد يهدد السر المهني ويشجع الوساطة غير المنظمة وإنما ضمان حد أدنى من الدفاع في القضايا التي لا تقبل الإنتظار.
كما أن الدفاع الشخصي حتى وإن أجازه القانون في بعض الحالات فإنه لا يصلح كبديل عام عن المؤازرة المهنية، خصوصا في القضايا الجنائية المعقدة أو الحالات التي تكون فيها الإستعانة بمحام لازمة لضمان المحاكمة العادلة. فكان الأولى بالرسالة أن تطالب بإستثناء المعتقلين والقاصرين والقضايا الإستعجالية والطعون المرتبطة بآجال غير قابلة للاستدراك من التوقف، مع إحداث آليات مهنية لرصد هذه الملفات وإخبار الموكلين بوضعيتها ومنع سقوط حقوقهم.
أما توجيه الرسالة إلى وزير العدل فهو مشروع بالنظر إلى مسؤولية الوزارة عن السياسة التشريعية ومنظومة العدالة، لكنه لا يمنح الوزير سلطة رئاسية أو تأديبية على المحامين. فالمحاماة مهنة حرة مستقلة تدبر شؤونها مؤسساتها المنتخبة بشكل ءاتي عبر نقباء،ومجالس منتخبة. ولا يبقى للوزارة المذكورة سوى الدعوة إلى الحوار والوساطة وإقتراح الحلول التشريعية، دون أن تحل محل النقباء ومجالس الهيئات أو تمارس وصاية تنفيذية على الدفاع.
فضلا على أنه لا يجوز تطبيق النصوص المتعلقة بالإمتناع عن تقديم الخدمات بصورة جماعية وآلية، إذ يجب التمييز بين توقف مهني منظم، ورفض فردي غير مشروع وإخلال محام مرتبط بتكليف قائم أدى إلى ضياع أجل أو حق. فالمسؤولية سواء كانت عقدية أو مهنية أو تأديبية تقتضي بحث كل حالة على حدة من حيث الإلتزام والضرر والعلاقة السببية، ولا يصح تحويل إحتجاج مهني بأكمله إلى مخالفة إستهلاكية موحدة.
كما أن قرار المحكمة الدستورية رقم 277/26 م/د الصادر في 10 غشت 2026، لم يحسم دستورية القانون رقم 66/23، وإنما صرح بتعذر البت في الإحالة على حالها بسبب عدم إرفاقها بالنص النهائي المطابق للأصل كما وافق عليه البرلمان. ولذلك لم يمنح القرار القانون شهادة مطابقة للدستور، بل أبقى الأسئلة الدستورية الجوهرية دون جواب، وهو ما يؤكد أن الأزمة لا تعود فقط إلى إحتجاج المحامين، وإنما إلى تعثر المسار التشريعي والرقابي.
وفي المقابل وحسب قراءتنا المتواضعة لرسالة حماية المستهلك،فلا يعفي إستقلال المحاماة مؤسساتها من واجب حماية المتقاضين، فالاستقلال ليس امتياز فئوي بل ضمانة مقررة لفائدة المواطن. ومن هذا المنطلق ثم إعتماد إحتجاج متناسب يضمن خدمة مهنية دنيا في الحالات المستعجلة وما ارتبط من آجال يترتب عنها سقوط الحق، فهل كانت الرسالة تحدم مصالح سياسية أو خطاب تحث ستار حماية المستهلك خاصة مع إقتراب الإستحقاقات التشريعية لسنة 2026 وما يرتبط بالمنازعات الإنتخابية من آجال قصيرة وإجراءات دقيقة؟
إن المدخل الأكثر إتزان ليس في إختزال المتقاضي في صفة “المستهلك”، وإنما تكريس مفهوم “مرتفق العدالة وصاحب الحق الدستوري”، بما يجمع بين حمايته من غموض الأتعاب والشروط المجحفة وتعطل الدفاع، وبين صيانة إستقلال المحامي عن السلطة التنفيذية. ويقتضي ذلك وساطة مؤسساتية محددة الأجل، يشارك فيها وزير العدل وجمعية هيئات المحامين والمجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة والمؤسسات الحقوقية، لإقرار ميثاق يضمن إستمرارية الحقوق أثناء الإحتجاجات من دون حظرها أو إخضاع الدفاع للوصاية.
ختاما، إن رسالة الجامعة المغربية لحماية المستهلك وإن كانت مشروعة في بعض مقاصدها، غير أنها تحتاج إلى مراجعة تكييفها القانوني وحلولها العملية. فلا إستقلال للدفاع على حساب حقوق المتقاضي، ولا حماية حقيقية للمتقاضي بإضعاف إستقلال دفاعه، لأن المتقاضي ليس مستهلك، بل متعاقد ومرتفق للعدالة وصاحب حق دستوري يتعين أن تتكامل القواعد والمؤسسات لحمايته.
د/ الحسين بكار السباعي
محام بهيئة أكادير وكلميم والعيون
مقبول لدى محكمة النقض.



