مجتمع

روح التناوب التوافقي… حين يستدعي الحاضر دروس التاريخ

 

بقلم: يوسف بوشيح

ليست استعادة تجربة التناوب التوافقي مجرد حنين إلى لحظة من التاريخ السياسي المغربي، بل محاولة لفهم ما إذا كانت المرحلة الراهنة تستدعي تجديد فلسفة التوافق، في سياق تتعاظم فيه الرهانات الاجتماعية والاقتصادية، وتتزايد فيه الحاجة إلى تعاقد سياسي قادر على تحويل الاختلاف الحزبي إلى قوة للإنجاز.

حين قاد الراحل عبد الرحمن اليوسفي حكومة التناوب سنة 1998، لم يكن الأمر مجرد انتقال من المعارضة إلى تدبير الشأن الحكومي، بل لحظة التقاء بين الرصيد النضالي للحركة الوطنية ومتطلبات مرحلة دقيقة من الانتقال السياسي. لقد حمل اليوسفي رمزية المسار النضالي والانتقال الديمقراطي، وجسّدت تجربته إمكانية تحويل التنافس السياسي إلى توافق مؤسساتي، دون أن يفقد الاختلاف مشروعيته أو تتوارى التعددية خلف منطق الإجماع.

اليوم، تتغير السياقات، وتتجدد الأسئلة. ومع بروز فاطمة الزهراء المنصوري في قيادة المرحلة السياسية الراهنة، يبرز سؤال تجدد القيادة و إمكانية بناء صيغة جديدة للتوافق. ليست المقارنة هنا بين شخصيتين أو تجربتين متطابقتين، بل بين لحظتين تاريخيتين تطرح كل واحدة منهما سؤال العلاقة بين القيادة السياسية ومتطلبات المرحلة، وبين الشرعية الانتخابية والرصيد التاريخي.

فإذا كان اليوسفي قد ارتبط برمزية النضال الديمقراطي في سياق نهاية القرن الماضي، فإن التحدي اليوم يتمثل في تحويل الشرعية الانتخابية إلى تعاقد سياسي واجتماعي واضح، قادر على الاستجابة لانتظارات المواطنين ومواجهة رهانات الدولة الاجتماعية والتنمية والعدالة المجالية.

ومن هذه الزاوية، يكتسب التفكير في تقاطع سياسي بين حزب الأصالة والمعاصرة وأحزاب الكتلة الديمقراطية التاريخية، وفي مقدمتها حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، دلالة تتجاوز الحسابات العددية. إنه سؤال التقاء الشرعية التي تمنحها صناديق الاقتراع بالرصيد التاريخي والنضالي الذي راكمته الحركة الوطنية، ضمن أفق سياسي مشترك.

ولا يتعلق الأمر باستعادة تحالفات الماضي كما كانت، ولا بافتراض أن التاريخ يعيد إنتاج نفسه، بل باستلهام فلسفة التوافق التي جعلت من الاختلاف مدخلا لتدبير مرحلة وطنية. فالمواقع الحزبية تتغير، والأدوار يعاد تشكيلها، وما كان بالأمس اصطفافا بين أغلبية ومعارضة قد يصبح اليوم موضوعا لإعادة التفكير في حدود التوافق وإمكاناته.

غير أن التوافق السياسي لا يكتسب معناه بمجرد اجتماع الأحزاب حول طاولة واحدة، ولا بتوزيع المسؤوليات بين مكوناتها، بل بقدرته على إنتاج برنامج حكومي واضح، يحدد الأولويات والوسائل والآجال، ويربط المسؤولية بالمحاسبة. فالتشغيل، والتعليم، والصحة، وتقليص الفوارق المجالية، وتعزيز الثقة في المؤسسات، ليست عناوين للاستهلاك السياسي، بل اختبارات عملية لجدية أي تعاقد حكومي.

إن المرحلة الراهنة، بما تحمله من رهانات وطنية واجتماعية، تطرح الحاجة إلى تجاوز منطق الأغلبية العددية نحو منطق الالتزام البرنامجي؛ حيث يصبح التوافق وسيلة لتقوية القرار العمومي وتسريع الإصلاحات، لا غاية مستقلة عن النتائج. وهنا تحديدا يمكن استلهام روح تجربة اليوسفي: ليس في تكرار أشخاصها أو ظروفها، بل في استحضار قدرتها على فتح أفق سياسي يتجاوز الحسابات الظرفية.

إن الحديث عن تناوب توافقي جديد يظل أفقا للنقاش، لا وصفا لتحالف محسوم. لكنه يتيح طرح سؤال جوهري: هل تستطيع الأحزاب، على اختلاف مرجعياتها ومواقعها، بناء تعاقد سياسي يجعل من الشرعية الانتخابية والذاكرة الوطنية رافعتين لمشروع مشترك؟

فالتاريخ لا يعيد نفسه، لكنه يمنح الحاضر فرصة للتعلم من تجاربه. وإذا كان التناوب الأول قد ارتبط برهانات الانتقال الديمقراطي، فإن أي توافق جديد لن يكتسب مشروعيته إلا بقدر ما ينجح في تحويل التمثيل السياسي إلى إنجاز، والالتقاء الحزبي إلى أثر ملموس في حياة المواطنين.

روح التناوب التوافقي، في نهاية المطاف، ليست استعادة الماضي، بل امتلاك شجاعة تجديده: تحويل الاختلاف إلى اتفاق على الأولويات، والاتفاق إلى برنامج، والبرنامج إلى نتائج. فبذلك وحده يستدعي الحاضر دروس التاريخ، دون أن يقع في أسر الذاكرة..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
ر

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock