مقالات و آراء

موريتانيا ومعادلة الصحراء الغربية المغربية بين حدود الحياد ورهانات الحكم الذاتي وعقدة إقليم الكويرة

لا يمكن فهم الموقف الموريتاني من قضية الصحراء بإعتباره مجرد تردد بين المغرب والجزائر، أو حياد دبلوماسي منفصل عن إعتبارات الجغرافيا والتاريخ والأمن والمصالح الإقتصادية. فموريتانيا توجد في قلب معادلة إقليمية تتجاوز قدرتها على التحكم في مساراتها، لكنها تمتلك في المقابل، هامش مهم للتأثير في بيئتها المباشرة. ومن هنا فإن السؤال السياسي الحقيقي لم يعد فقط إلى أي طرف تميل نواكشوط؟ بل أصبح إلى أي حد تستطيع تحويل حيادها من سياسة لتفادي المخاطر إلى إستراتيجية للمزيد من المصالح، وذلك في ظل التحولات التي تعرفها قضية الصحراء المغربية وموازين الدعم الدولي المتزايد لتنزيل الحكم الذلتي وفق القرار الإطار 2797؟ و تستمد سياسة موريتانيا جذورها من تجربة السبعينيات، حين انخرطت في ترتيبات مدريد سنة 1975، قبل أن تجد نفسها في مواجهة حرب تجاوزت قدراتها العسكرية والاقتصادية وأثقلت إستقرارها الداخلي. فجاء إتفاق السلام الموقع مع جبهة بوليساريو في الجزائر يوم 5 غشت 1979 ليؤشر على مراجعة إستراتيجية فرضتها كلفة المواجهة، وإنتهت بتخلي نواكشوط عن مطالبها الإقليمية في الصحراء الغربية المغربية.

منذ اعتراف موريتانيا بالجمهورية الصحراوية الوهمية سنة 1984 أصبح موقفها محكوم بمعادلة دقيقة وحساسة ديبلوماسيا وهي المحافظة على علاقات عملية مع المغرب من جهة، وتجنب القطيعة مع الجزائر و بوليساريو من جهة ثانية، وصيانة أمن الحدود في منطقة تتزايد فيها المخاطر المرتبطة بالاضطراب الإقليمي وشبكات التهريب والجماعات المسلحة والإرهاب من جهة تالثة. لذلك فإن ما يوصف بالحياد الموريتاني ليس غياب للمصالح أو انعدام للقدرة على التأثير، بل سياسة موازنة تسعى إلى تجنب دفع أثمان خيارات قد تتجاوز قدرة الدولة على تحملها. غير أن الحياد و مهما بلغت فعاليته ليس سياسة ثابتة خارج الزمن. فالمتغيرات الأمنية والإقتصادية في منطقة الساحل وتنامي أهمية الممرات التجارية والحاجة إلى الإستثمارات والبنيات التحتية، تمنح العلاقات الموريتانية المغربية قيمة إستراتيجية متزايدة. كما أن إنفتاح موريتانيا على التعاون الإقليمي لم يعد مجرد خيار دبلوماسي، بل ضرورة تفرضها تحديات التنمية والأمن والاندماج الاقتصادي. وفي ذات النقاش ينبغي تفسير أي تقارب بين نواكشوط والرباط باعتباره تحول تلقائي في الموقف من السيادة على الصحراء خاصة مع موقف قرار اللجنة الرابعة للأمم المتحدة الأهير المتبتي للقرار 2797، فموريتانية اليوم تعي جيدا أهمية إستمرار علاقاتها الإقتصادية مع المغرب، فضلا على أن علاقاتها مع الجزائر ومن خلالها مع بوليساريو لا يمكن إعتبارها دليل كافي على معاداة المغرب. فالتعاون الثنائي يمكن أن يتقدم دون أن تتغير المواقف السياسية المعلنة بالوتيرة نفسها.
هنا تكشف الكويرة أكثر من غيرها من الأطاريح حدود هذه المعادلة. فموقع الإقليم عند الطرف الجنوبي لشبه جزيرة رأس نواذيبو أو المسماة في التقارير الإستراتيجية الفرنسية والإسبانية “بكاب بلانك” يجعلها نقطة شديدة الحساسية في الحسابات الأمنية والجيوسياسية، بالنظر إلى قربها من مدينة نواذيبو ومينائها، وما يمثله ذلك من أهمية للملاحة والتجارة والأمن الحدودي الموريتاني. غير أن أهميتها الإستراتيجية لا تبرر الخلط بين المجال الحيوي لموريتانيا وبين السيادة القانونية على الإقليم. فالكويرة تقع ضمن الصحراء الغربية المغربية ، موضوع مفاوضات تنزيل الحكم الذاتي لاحتراما لشرعية الأمم المتحدة وقرار مجلس الأمن 2797 ووهي جزء من سيادة المغرب على أراضية الجنوبية مند استرجاعها سنة 1975 ومن استكمال وحدتها باسترجاع اقليم الداخلة المعتبرة الكويرة امتدادا له، وهي التابعة اليوم لإقليم أوسرد جهة الداخلة واد الدهب حسب التقسيم الجهوي للمملكة .

وتعود جذور الوضع التاريخي للمنطقة إلى الاتفاق الفرنسي الإسباني لسنة 1900، الذي رسم حدود النفوذ الاستعماري في شبه جزيرة رأس نواذيبو، قبل أن تتشابك المسألة مع ترتيبات إنهاء الاستعمار سنة 1975، ثم مع الانسحاب الموريتاني من النزاع سنة 1979. ومنذ ذلك الحين، ظلت الكويرة موضع تأويلات سياسية وميدانية متباينة، خصوصًا في ظل غياب تسوية نهائية لقضية الصحراء. ولذلك، فإن القراءة الدقيقة تقتضي التمييز بين الحدود الموروثة عن المرحلة الاستعمارية، والوجود الأمني الفعلي، والمطالب السياسية، والسند القانوني للسيادة؛ وهي مستويات لا يجوز دمجها في رواية واحدة دون أدلة موثقة. وعليه تندرج الكويرة ضمن المجال الترابي للصحراء الغربية المغربية، وترتبط في الوعي السياسي الوطني بمسار إستكمال الوحدة الترابية.
لقد أعادت أحداث الكركرات في نوفمبر 2020 إبراز الارتباط المباشر بين استقرار الصحراء المغربية والمصالح الاقتصادية الموريتانية. فتعطيل حركة العبور آنذاك كشف هشاشة أحد الممرات التجارية الحيوية، وأظهر أن إستمرار التوتر لا يضر طرف بعينه، بل يهدد إنسياب السلع وحركة الأشخاص والتبادل التجاري بين شمال غرب إفريقيا وغربها. ومنذ ذلك الحدث ازدادت أهمية ضمان إستقرار المحور الرابط بين المغرب وموريتانيا، ليس بإعتباره امتداد للتقارب السياسي فقط بل بوصفه مصلحة إستراتيجية مشتركة.

هنا وجب الوقوف كذلك على مبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب سنة 2007 بوصفها أحد أبرز الخيارات المطروحة لإنهاء النزاع. والتي تقوم على منح سكان الأقاليم المعنية صلاحيات واسعة لتدبير شؤونهم المحلية، ضمن السيادة المغربية، بما يسمح بالانتقال من منطق الصراع المفتوح إلى منطق التسوية السياسية والمؤسساتية. وقد عزز اتساع الدعم الدولي للمبادرة موقعها التفاوضي، وأعاد طرح سؤال قدرة الأطراف الأخرى على تقديم بديل عملي قابل للتنفيذ بدل الاكتفاء بإعادة إنتاج مواقف متعارضة لا تقود إلى نتيجة، من هنا يعتبر قرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025 محطة مهمة في المسار الأممي. فالتقدم الدبلوماسي المغربي يعكس السعي الجاد لحسم جميع جوانب الخلاف القانوني، كما أن المواقف المعلنة للعديد من الدول والتي ثم التعبر عنها صراحة خلال اللجنة الرابعة حسمت الأمر بتبني مقترح الحكم الذاتي،والأهم أن المغرب حسم أمر السيادة ميدانيا من خلال ما تعرفه الصحراء من تنمية وبرامج إستثمارية كبرى ومن خلال العملية الديمقراطية التي عكستها نسب المشاركة المهمة في الانتخابات التشريعية الأخيرة والتي وصلت في العيون لوحدها أمثر من 83%.
ليبقى الرهان الحقيقي ليس فقط حجم التأييد الدولي بل يتصل بقدرة المبادرة على التحول إلى تسوية متوافق عليها، تتضح فيها الصلاحيات والضمانات القانونية وآليات التنفيذ وحماية الحقوق وتسوية الخلافات. فالحلول السياسية المستدامة لا تقاس فقط بما تحققه من مكاسب دبلوماسية، وإنما أيضا بقدرتها على توفير شروط الاستقرار والقبول والفعالية المؤسسية.

من هنا فإن كسب دعم الدول المتحفظة ومنها موريتانيا، يتطلب مقاربة تتجاوز الضغط السياسي المباشر إلى تقديم تصور واضح للمكاسب الإقليمية التي يمكن أن تترتب على التسوية، ونعود للتوضيح أكثر أن التجارب الدولية السابقة تساعد على فهم أسباب إستمرار هذا التعقيد الرمادي، فقد أبرز إريك جنسن، في كتابه “الصحراء الغربية تشريح مأزق” الصادر سنة 2005 كيف إصطدمت مساعي تنظيم الإستفتاء بخلافات تحديد الهيئة الناخبة وبالتباعد بين حسابات الأطراف. كما تناول ستيفن زونس وجاكوب ماندي في كتابهما “الصحراء الغربية الحرب والقومية وإستعصاء النزاع” الصادر سنة 2010 أثر الجذور الإستعمارية والهوية القومية في إستمرار النزاع. وعلى إختلاف المنطلقات السياسية لهذه المقاربات فإنها تذكر بحقيقة أساسية وهي أنه لا يمكن إختزال القضية المفتعلة في التنافس المغربي الجزائري وحده، وإن كان هذا التنافس أحد أبرز العوامل التي تعوق التسوية، إذ يظل التمثيل والحقوق والضمانات والقبول السياسي عناصر أساسية في بناء حل قابل للاستمرار وهذا ما أكدته المبادرات التنمية والإجتماعية والدفع بأبناء الإقليم لتحمل مسؤولية التسيير والتدبير في مختلف المجالس المحلية والجهوية وبالمؤسسة التشريعية.
أمابالنسبة إلى موريتانيا فإن أي تسوية مستقبلية ستقاس بمدى انعكاسها على أمن حدودها، وإستقرار المحيط الإقتصادي الحيوي للنواذيبو وحركة التجارة وقدرتها على تجنب إستيراد التوترات الإقليمية إلى الداخل. وهي إعتبارات تجعل نواكشوط معنية بنتائج الحل أكثر من إرتباطها بالشعارات السياسية المحيطة به. غير أن هذا الموقع لا يمنحها وحدها القدرة على حسم النزاع المفتعل بل يضعها أمام مسؤولية المساهمة في خفض التوتر والحفاظ على قنوات التواصل وتجنب تحويل أراضيها أو حدودها إلى مجال لتصفية الحسابات الإقليمية.
وحسب وجهة نظرنا المتواضعة فإن التقارب المغربي الموريتاني مرشح للتقدم عبر المصالح العملية قبل أن يتخذ شكل تحول دبلوماسي معلن. فمشروعات الربط الطرقي واللوجستي والتبادل التجاري والاستثمار والطاقة والتعاون الأمني، يمكن أن توسع هامش الثقة بين البلدين وتمنحهما مصالح مشتركة أكثر رسوخا. وقد يؤدي تراكم هذه المصالح إلى إعادة تقييم كلفة الحياد و يضمن إنتقال موريتانيا إلى تأييد صريح للمبادرة المغربية تحت السيادة المغربية. غير أن هذا التحول سيظل مرتبط بحسابات القيادة الموريتانية وبالعلاقة مع الجزائر وبالتطورات الأممية الإقليمية، وبمدى إقتناع نواكشوط بأن التسوية المقترحة ستعزز استقرارها بدل أن تعرضها لضغوط جديدة.
أما الكويرة فستظل اختبار عملي لمدى قدرة المغرب وموريتاتيا وكله في مجاله السياسي من شبه جزيرة الرأس الأبيض، على الفصل بين الخلاف السياسي ومتطلبات الأمن المشترك.

ختاما، لا يكمن التحدي المغربي في دفع موريتانيا إلى التخلي الفوري عن حيادها، بل في جعل التسوية المقترحة أكثر إقناع من إستمرار الوضع القائم عبر الدبلوماسية الفعالة والشراكة الإقتصادية والضمانات المؤسسية. كما لا يكمن التحدي الموريتاني في الحفاظ على التوازن إلى أجل غير مسمى، بل في تحديد الكيفية التي يخدم بها هذا التوازن مصالح الدولة على المدى البعيد. فكلما تعمقت المصالح المشتركة وإتضحت فرص التسوية إرتفعت كلفة الغموض الإقليمي وأصبح الإنتقال من إدارة النزاع إلى المساهمة في إنهائه أكثر إلحاحا. فموريتانيا ليست مجرد دولة مجاورة تراقب قضية الصحراء المغربية من بعيد ،بل إنها طرف إقليمي عانى ويلات حرب الصحراء ،إنها دولة تتقاطع عند حدودها نتائج النزاع وتداعياته الأمنية والإقتصادية. ومن ذاكرة حرب السبعينيات إلى رهانات الحكم الذاتي ومن الكويرة إلى الكركرات تتحدد أهمية نواكشوط بقدرتها على تحويل موقعها الجغرافي من مصدر للحذر إلى رافعة للإستقرار والتكامل المغاربي.

د/ الحسين بكار السباعي
محلل سياسي وخبير إستراتيجي
مدير قطب إفريقيا والتعاون الدولي
المركز الدولي للأمن والهجرة والتنمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
ر

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock