استمرار سر الطريقة ومددها مع الشيخ سيدي معاذ القادري بودشيش

كيف لرجل لا يستند إلى وصية مكتوبة يتخذها حجة، ولا تقف وراءه عائلة تحشد له الأنصار، ولا يملك حِيَلاً مصطنعة، ولا كلمات معسولة يتبجح بها أمام الناس، أن يجتمع حوله كل هؤلاء الرجال؟
إنهم رجال عرفوا الشيخ سيدي حمزة وعاشروه ولازموه، ورجال رافقوا الشيخ سيدي جمال وصحبوه، وأخذوا عنهما بالتجربة والمعاشرة وطول الملازمة. وليس هؤلاء مجرد أتباع عابرين، بل إن كل واحد منهم شاهد قائم بذاته، وحجة بما عرف وعاين وخبر.
إن اجتماع هذه النخبة من أهل الصحبة والمعرفة حول الشيخ سيدي معاذ القادري بودشيش ليس أمراً ينبغي اختزاله في رمي هؤلاء الرجال بالانحراف عن مشايخهم أو بخيانة ما عاهدوا عليه من صحبتهم؛ بل هو أمر يستحق التأمل، ويكشف عن حقيقة أعمق من كل أشال التزكية المصطنعة والتأويل المنحرف لمسار انتقال الأمانة الروحية.
فانتقال أمانة التربية الروحية لا يُنال بالوثائق كأنها وظيفة إدارية، ولا بالانتساب العائلي، ولا بالتفاف الأقارب، ولا بكثرة الكلام والتحايل؛ وإنما يتحقق بما يرسخ في الوجدان والقلوب من صدق السير إلى الله، وبما يظهر من آثار التربية والتزكية، وبما تنزله صحبة المربي الوارث من سكينة وطمأنينة وانشراح في قلوب المريدين.
ولقد شهد تاريخ التصوف، قديماً وحديثاً، تدخلات عائلية ومحاولات بشرية للتأثير في مسارات انتقال الأمانة الروحية، وهو أمر كان الشيخ سيدي حمزة يذكّر به مريديه، مستحضراً نماذج من السابقين ومن المتأخرين.
وكم من وصية عُلّقت على الجدران، وأُشهرت بين الناس، لكن الموصى لهم لم تظهر عليهم سيم العارفين، ولا آثار المربين، ولا علامات التربية التي تشهد لها أحوال الرجال قبل أقوالهم!
وكم من متشدق بالكلام، كثير الادعاء، لم يظهر في أتباعه أثر ما يدّعيه من سر أو مدد، ولم تتحول كلماته إلى سلوك، ولا ادعاءاته إلى تربية، ولا شعاراته إلى حقائق روحية ملموسة.
إن سر التربية لا تحمله الأوراق وحدها، ولا تحفظه الألقاب والوظائف، ولا تثبته كثرة الادعاء؛ وإنما تشهد له آثار الصدق، وتزكية النفوس، واجتماع القلوب، واستمرار النفحات التربوية في أهل الصحبة والملازمة.
ومن هنا، فإن استمرار سر الطريقة ومددها لا يُقرأ من خلال ما يُرفع من وثائق، أو ما يُنسج من روايات، بل من خلال ما تشهد به أحوال الرجال، وما يظهر في قلوبهم وسلوكهم، وما يتجلى في صدق توجههم إلى الله تعالى.
وصدق من قال: خير الحيل مع الله في ترك الحيل .
ويقول المثل المغربي، في حكمة تختصر الكثير: لا حيلة مع الله.




