مسيرة محام اتحادي من السجن الى اعلى سلطة قضائية

محاكمة الأستاذ محمد الحلوي خلال سنة 1965 يوم كان رئيسا للإتحاد الوطني لطلبة المغرب:
مقتطف من كتاب ” الحسن الثاني… ديغول بن بركة، ما أعرفه عنهم”، موريس بوتان…
“في مستهل شهر شتنبر، أخبر محمد الحلوي، الرئيس الجديد للإتحاد الوطني لطلبة المغرب، في أعقاب مؤتمر المنظمة التاسع المنعقد بالرباط (368)، مجموعة من الصحفيين بمضمون رسالة وجهها إلى المؤتمرين الرئيس السابق حميد برادة الذي عين رئيسا شرفيا للاتحاد الطلابي. وقد رأى النظام في ذلك ذريعة كافية لاعتقال محمد الحلوي في 14 شتنبر على يد ثلاثة أفراد من الفرق الخاصة، اقتحموا مقر الاتحاد الوطني لطلبة المغرب نفسه شاهرين سلاحهم، ودون أي أمر بالاعتقال! وفي الغد، صدر أمر بتفتيش المقر، قبل إغلاقه وبقائه تحت حراسة الشرطة. حظي محمد الحلوي بالسراح المؤقت يوم 16 شتنبر، ولكنه اعتقل من جديد في 18 شتنبر، أو بالأحرى اختطف في الطريق العام برفقة عضو من أعضاء المكتب التنفيذي، عمر الفاسي، من قبل مجهولين عمدا إلى تعصيب عينيهما قبل أن يقتاداهما إلى مكان مجهول، ثم إلى مفوضية الشرطة. وقدم الحلوي وحده للمحاكمة أمام محكمة عسكرية وأودع سجن الرباط (369).
وفي 24 شتنبر بدأ قاضي التحقيق العسكري التحقيق “المفصل” في القضية. ولم يصلني الخبر حتى الساعة الحادية عشرة صباحا! وكان زميلي الصديقي قد نصب أيضا محاميا إلى جانبي في هذه القضية، مساء ذلك اليوم! والحال أن كل الاستدعاءات التي توصلنا بها تؤكد أن التحقيقات ستبدأ في الساعة التاسعة (كذ !) والحال أن عمليات تفتيش مقر الاتحاد الوطني لطلبة المغرب لم تسفر عن أي أدلة تدين المنظمة ورئيسها. لهذا فصك الاتهام الذي وضعه القاضي للأمر بالمتابعة يبين تهافت القضية وعدم استنادها إلى أساس قانوني: “قام قاضي التحقيق (…) بتفتيش مقرات الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، وعثر فيها على كومة رماد و أوراق محروقة، مما يثبت أن وثائق مفيدة تتضمن معلومات مهمة قد أحرقت. وكان من الممكن أن تشكل الرسالة المعنية والوثائق المحروقة أدلة إضافية، وتتضمن معلومات هامة متعلقة بقضية برادة”.
هكذا يتهم الحلوي بـ” المشاركة في مؤامرة المس بالأمن الخارجي للدولة “استنادا إلى”كومة رماد” وقد أخذته الشرطة على عدم تسليم رسالة برادة إلى السلطات، وتتهمه بالتالي بالتواطؤ معه (370).
تحريك مسطرة الحل ضد الاتحاد الوطني لطلبة المغرب:
لم تشف المتابعات القضائية ضد رئيس الاتحاد الوطني لطلبة المغرب غليل الحسن الثاني، خاصة وأن هذه القضية الجديدة لم تعمل سوى على تأجيج تحركات الطلبة. لهذا قرر نزع صفة الجمعية ذات النفع العام عن المنظمة الطلابية، قبل أن يعطي الأمر لوكيل الملك برفع دعوى مدنية بحلها “لعدم توافق نظامها الداخلي مع القانون”. وهكذا شهرا بعد اعتقال رئيس الاتحاد الوطني لطلبة المغرب الحلوي، وثمانية أشهر بعد محاكمة “الضالعين” في “مؤامرة يوليوز”، رفعت دعوى قضائية مزدوجة ضد رئيس المنظمة الطلابية التي يعتبرها القصر تقدمية إلى حد لا يطاق، خاصة وأنها مرتبطة بعدوه الأول المهدي بن بركة (371).
انطلقت المحاكمة في 21 أكتوبر 1964. ويؤكد وكيل الملك في مطلبه أن نظام المنظمة الداخلي يخالف ظهير 21 يونيو 1963 الذي يحصر صفة الطالب في فئة من يتابع دراسته في التعليم العالي. وأجلت المحاكمة مرتين لتمكين هيئة دفاع المنظمة من تقديم ملاحظاتهم على صك الاتهام (372). وحضر المحاكمة مجموعة من المراقبين الأجانب تعبيرا عن تضامنهم، يتعلق الأمر بوفد عن الجمعية الدولية للحقوقيين الديمقراطيين، وعن الاتحاد الوطني لطلبة فرنسا، وبممثلين عن الطلبة الجزائريين والتونسيين.
قدمنا مجموعة من الملاحظات البسيطة، منطلقين أولا من خطأ وقعت فيه النيابة العامة سهوا أو عمدا، حيث نسيت التحقيق من الأوامر الصادرة من السلطات العليا، قبل تحريك المتابعة! والحال أن نظام المنظمة الطلابية الأساسي وقع تغييره بعد صدور القانون المذكور في فصله الرابع، وسلم بانتظام إلى النيابة العامة بالمحكمة وإلى مفوضية الشرطة، سواء بعد المؤتمر الثامن المنعقد بالدار البيضاء قبل بضعة أيام من صدور القانون الجديد للمنظمة أو بعد مؤتمرها التاسع المنعقد بالرباط. وينص الفصل الجديد بوضوح على أن “الأعضاء النشطين للاتحاد الوطني لطلبة المغرب هم: الطلبة المغاربة الذين يتابعون دراساتهم العليا بالمغرب وفي الخارج، والطلبة الأجانب الذين يتابعون دراساتهم العليا بالمغرب”(373).
حدد تاريخ 16 دجنبر لتقديم المرافعات. واكتظت قاعة المحكمة بالطلبة الذين حضروا للتعبير عن تشبثهم بمنظمتهم. أعطيت الكلمة أولا لوكيل الملك، وأعلن، كما كان متوقعا، أن مطالبته بحل الاتحاد الوطني لطلبة المغرب لم تعد تستند إلى الجوهر، بل إلى الشكل، إذ أن المنظمة حسب زعمه لم تودع النظام الداخلي لدى النيابة العامة! وأكد النقيب إيف بايسيرYves Bayssiére محامي القصر والدولة المغربية ما جاء على لسان وكيل الملك.
كان الأستاذ أحمد بلحاج أول متدخل من هيئة الدفاع عن المنظمة الطلابية، وقد سعى إلى تبيان أن حل المنظمة يعد مسا بإحدى الحريات الأساسية التي اكتسبها الشعب المغربي بفضل نضاله من أجل نيل الاستقلال (374).
وعالج الأستاذ دانييل ليفي القضية من منظور قانوني، معترضا على التأويل الذي قدمته النيابة العامة للفصل الثالث من ظهير الحريات العامة، فالفقرة الثانية من هذا الفصل تنص على أن أي منظمة لا تحترم قوانين الشكل، وهو ما لا يصدق على المنظمة الطلابية، فإن بإمكان القاضي الحكم بحلها، مما يترك للمحكمة نوعا من السلطة التقديرية (375).
كنت آخر المتدخلين، وتطرقت خصوصا لوضعية البلد السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وشددت على كون الطلبة المغاربة الشباب لا يمكن أن يديروا ظهورهم لما يشهده وطنهم من أحداث. وذكرت بالمحنة التي أصابت اليسار منذ اعتلاء الحسن الثاني العرش، بل قبل ذلك مع قضية “المؤامرة ضد ولي العهد” سنة 1960، ورفض انتخاب مجلس تأسيسي، ونتيجة الانتخابات المزورة في ماي 1963، و”مؤامرة يوليوز”،



