
هنا 24 / عبد الصادق النوراني .
في زمن أصبحت فيه البرامج الانتخابية في كثير من الأحيان أقرب إلى كتيبات للوعود منها إلى تعاقدات سياسية واضحة ، يأتي تحالف اليسار المكوّن من الحزب الاشتراكي الموحد وفدرالية اليسار الديمقراطي ، ليضع أمام الناخب المغربي برنامجا واسعا اختار له عنوانا دالا (الكرامة أولاً) .
البرنامج لا يكتفي برفع شعارات العدالة الاجتماعية ، بل يقدم سلسلة من المقترحات ذات الكلفة المالية والسياسية الواضحة،د ، تمتد من إصلاح بنية الدولة والانتقال الديمقراطي ، إلى الاقتصاد والصحة والتعليم والطاقة والماء والحماية الاجتماعية .
سياسيا يطرح التحالف تصورا عميقا لإعادة ترتيب العلاقة بين المؤسسات من خلال الدعوة إلى الملكية البرلمانية ، والفصل بين السلط ، وتعزيز استقلال القضاء والبرلمان ، وربط المسؤولية بالمحاسبة ، إلى جانب الدفاع عن حرية الصحافة والتظاهر السلمي . وهي اختيارات تنسجم مع المرجعية التاريخية للحزب الاشتراكي الموحد في قضايا الديمقراطية ودولة الحق والقانون .
أما اقتصاديا ، فالبرنامج يعلن بوضوح القطيعة مع ما يسميه اقتصاد الريع والاحتكار ، مقابل اقتصاد منتج قائم على التصنيع والمعرفة والمنافسة . ويقترح من بين أمور أخرى ، رفع مساهمة الصناعة في الناتج الداخلي الخام ودعم المقاولات الصغيرة جدا والصغيرة والتعاونيات ، وتعزيز السيادة الغذائية والمائية والطاقية .
وفي الجانب الاجتماعي ، تبدو لغة الأرقام أكثر حضورا ، رفع الحد الأدنى الصافي للأجر إلى 5000 درهم في أفق 2029 ، توحيده بين القطاعين الفلاحي وغير الفلاحي ، إحداث 3000 دار حضانة عمومية ، إنجاز 100 ألف وحدة من السكن العمومي الإيجاري ، وتوظيف 15 ألف مهني في قطاع الصحة ، فضلا عن مقترحات تخص المتقاعدين والدعم الاجتماعي وأسعار الأدوية .
وفي الطاقة ، يقترح البرنامج خفض أسعار المحروقات بما بين 3 و5 دراهم للتر، وإعادة تشغيل مصفاة (سامير) ، مع رفع حصة الطاقات المتجددة إلى 40 في المائة في أفق 2031 . كما يضع الماء ضمن قضايا السيادة الوطنية ، مقترحا إجراءات للطوارئ المائية وترشيد استغلال المياه الجوفية .
لكن قوة أي برنامج انتخابي لا تقاس فقط بحجم ما يعد به ، وإنما أيضا بمدى قابلية هذه الوعود للتمويل والتنفيذ ، وبالقدرة السياسية والمؤسساتية على تحويل الأرقام إلى سياسات عمومية ملموسة . وهنا تحديدا يبدأ النقاش الحقيقي ، لأن الانتقال من الورق إلى الواقع يحتاج إلى موارد مالية ، وأغلبية سياسية ، وإدارة قادرة على التنفيذ ، وتحديد دقيق للأولويات والآجال .
ولعل أهم ما يميز وثيقة تحالف اليسار أنها لا تقدم نفسها باعتبارها مجرد لائحة من التدابير الاجتماعية ، بل تربط بين الإصلاح السياسي والإصلاح الاقتصادي والعدالة الاجتماعية ؛ أي إنها تنطلق من فرضية مفادها أن تغيير السياسات الاجتماعية والاقتصادية يمر أيضا عبر تغيير طريقة صناعة القرار السياسي .
وبينما ستتولى صناديق الاقتراع تحديد الوزن السياسي الذي سيحصل عليه هذا الخطاب ، يبقى البرنامج نفسه مادة جديرة بالنقاش العمومي : ما الذي يمكن تنفيذه فورا ؟ وما الذي يحتاج إلى سنوات ؟ وما هي كلفته الحقيقية ؟ ومن أين ستأتي موارده ؟
تلك هي الأسئلة التي ينبغي أن ترافق (الكرامة أولاً) في الطريق إلى صناديق الاقتراع حتى لا تبقى البرامج الانتخابية مجرد عناوين جميلة ، بل تتحول إلى التزامات قابلة للقياس والمساءلة .
فالانتخابات ليست مسابقة في كثرة الوعود ، وإنما امتحان لقدرة البرامج على إقناع المواطن بأن ما يكتب على الورق يمكن أن يجد طريقه إلى الواقع .




