مقالات و آراء

في نقد المراهقة النقابية

 

عبد الصادق النوراني .
من أخطر ما يمكن أن يصيب أي تنظيم نقابي أن يختلط الحماس بالخبرة وأن يعتقد بعض المبتدئين أن رفع الصوت هو عنوان النضال وأن كثرة الاصطدامات دليل على قوة الشخصية وأن التدخل في كل صغيرة وكبيرة يمنح صاحبه صفة المناضل الشرس .
والحقيقة أن العمل النقابي أرقى من ذلك بكثير ، فهو مدرسة في الحكمة قبل أن يكون ساحة للمواجهة ، وفن في تدبير الخلاف قبل أن يكون مجرد رد فعل على كل حدث إداري طارئ .
لقد أفرز قطاع حساس بمدينة مراكش مؤخرا نماذج من الممارسة التي يمكن وصفها بـالمراهقة النقابية ، وهي مرحلة يطغى فيها الاندفاع على التعقل والانفعال على التبصر والرغبة في إثبات الذات على حسن تقدير المواقف . فيتحول العمل النقابي في نظر البعض إلى حضور دائم في كل الملفات الإدارية وإقحام للنفس في كل نزاع ، حتى في القضايا التي لا تستوجب تدخلا نقابياً أصلا .
وهذا السلوك يرهق صاحبه قبل أن يرهق أي طرف آخر . فالذي لا يزال في بداية مساره المهني ويجعل من كل ملف معركة ومن كل ملاحظة مواجهة ومن كل إجراء إداري قضية نقابية ، إنما يراكم على نفسه متاعب كان في غنى عنها. فالإدارة مهما اختلفنا معها ، مؤسسة تحكمها قوانين ومساطر ، والنقابي الذكي هو الذي يعرف كيف يوظف القانون والحوار قبل أن يلجأ إلى التصعيد .
ولعل السؤال الذي ينبغي طرحه بجرأة هو من المسؤول عن هذه الظاهرة العبث ؟
إن تحميل المسؤولية للمناضل المبتدئ وحده سيكون ظلما . فالقيادات النقابية المحلية والجهوية والقطاعية بل وحتى المركزية ، تتحمل نصيبا وافرا من المسؤولية عندما تترك المنخرطين الجدد يخوضون غمار العمل النقابي دون تكوين حقيقي ، ودون تأطير قانوني وتنظيمي وأخلاقي . فالحماس وحده لا يصنع نقابيا ، تماما كما أن امتلاك سماعة الطبيب لا يصنع طبيبا .
إن التكوين النقابي ليس ترفا تنظيميا ، بل هو حجر الزاوية في صناعة مناضل مسؤول ، فمن خلاله يتعلم النقابي الفرق بين الملف الإداري والملف النقابي وبين الدفاع المشروع عن الحقوق والتدخل غير المحسوب ، وبين الجرأة المطلوبة والتهور المرفوض . كما يتعلم أن الحوار ليس تنازلا ، وأن الحكمة ليست ضعفا ، وأن كسب احترام الإدارة لا يعني الارتماء في أحضانها ، كما أن الاختلاف معها لا يعني إعلان الحرب عليها .
ومن هنا فإن مسؤولية الكتاب العامين للمكاتب المحلية والجهوية لا تقتصر على إصدار البلاغات أو تأطير الوقفات وإنما تبدأ من اكتشاف الطاقات الشابة وتوجيهها وتقويم أخطائها وحمايتها من الوقوع في فخ المزايدات التي قد تحرق مستقبلها المهني قبل أن تحقق أي مكسب نقابي .
إن النقابي الحقيقي لا يقاس بعدد الخصومات التي صنعها ولا بعدد الاجتماعات التي قاطعها ولا بعدد المرات التي رفع فيها صوته . بل يقاس بعدد المشاكل التي استطاع حلها والحقوق التي انتزعها بالحكمة والثقة التي اكتسبها لدى زملائه والاحترام الذي فرضه على الإدارة بخلقه وكفاءته ورجاحة عقله .
فالعمل النقابي ليس بطولة فردية ولا مسرحاً لاستعراض القوة ولا وسيلة لتصفية الحسابات ، وإنما رسالة نبيلة هدفها حماية كرامة الموظف وصون حقوقه في إطار القانون والمسؤولية .
ولذلك فإن التنظيمات النقابية مدعوة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى مراجعة أساليب التأطير والتكوين ، لأن أخطر ما يهددها ليس ضعف الخصوم وإنما ضعف التأهيل الداخلي . فحين يغيب التكوين تحضر المراهقة النقابية ، وحين تحضر المراهقة يغيب النضج وتضيع البوصلة وتتحول الرسالة النبيلة إلى ضجيج لا يسمع منه إلا الصدى .
إن النقابي الذي يستعجل البطولة يخسرها أما الذي يتسلح بالعلم ويصقل تجربته بالصبر ويزن مواقفه بالعقل فإنه يكسب احترام الجميع ويترك أثرا لا تصنعه الشعارات بل تصنعه الحكمة والإنجاز .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
ر

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock