مشروع قانون المحاماة بالمغرب أزمة مشاركة في التشريع أم تعثر في إستكمال إصلاح منظومة العدالة؟

شكل إصلاح منظومة العدالة في المغرب و على إمتداد العقود الأخيرة، أحد أبرز أوراش البناء المؤسساتي والحقوقي وذلك بالنظر إلى إرتباطه الوثيق بمرتكزات دولة الحق و القانون، وتوفير ضمانات المحاكمة العادلة وحماية الحقوق والحريات. وقد بلغت هذه الدينامية أوجها التاريخي والتشريعي من خلال جولات الحوار الوطني حول إصلاح منظومة العدالة، وهو الحوار الموسع الذي تميز بمشاركة وازنة وشاملة لمختلف الفاعلين القضائيين والمهنيين والمؤسساتيين، وفي مقدمتهم جمعية هيئات المحامين بالمغرب التي أسهمت بدور محوري في بلورة الرؤية الوطنية المشتركة للعدالة. وقد كرس ذلك المسار التشاركي الرفيع محطة مفصلية غيرت مجرى البناء الدستوري والقضائي بالمملكة، حيث أثمر صياغة الميثاق الوطني لإصلاح منظومة العدالة، والاهتداء إلى تنزيل المقتضيات الدستورية الننصوص عليها بدستور 2011 خاصة إعمال الإتفاقيات الدولية التي إعتبرها تصدير الدستور سامية على التشريع، وذلك عبر إقرار الإستقلال الفعلي والمؤسساتي للسلطة القضائية. ولم يقف هذا التحديث عند حدود فصل السلطات كخيار دستوري مبدئي، بل إمتد ليتوج بالإستقلال التام للنياية العامة عن سلطة وزير العدل، أي عن السلطة التنفيذية، وما تلا ذلك من تجسيد عملي لمفهوم رئاسة النيابة العامة كجزء أصيل ولا يتجزأ من جسم السلطة القضائية المستقلة و بما يعزز الحياد والموضوعية في تدبير العدالة الجنائية.
غير أن هذا المكتسب التاريخي الهام، الذي تأسس على فلسفة التوافق العريض والإستجابة للمطالب الإصلاحية لمكونات منظومة العدالة وعلى رأسهم المحامين الذين دافعوا عبر تاريخ رسالتهم على إستقلال القضاء ، غير أننا نقف اليوم أمام مأزق منهجية التحديث في محطاته القطاعية المهمة، إذ يكشف الصراع المحتدم حول مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة أزمة المقاربة التشاركية التي نص عليها الدستور والمواثيق الدولية و أرسى أسسها بتجلي كبير الحوار الوطني لإصلاح منظومة العدالة.
إن تفكيك البعد السياسي والمؤسساتي للأزمة الراهنة يبين أن جذور الخلاف تجاوزت حدود النقاش التقني والنصوص الإجرائية وصياغتها، لتطال المنهجية التي أُدير بها ملف يمس أركان أسرة القضاء بأكملها. ففي الوقت الذي خاضت فيه السلطة التنفيذية غمار الإصلاح باستناد صريح إلى منطق الشرعية الإجرائية والأغلبية البرلمانية لتمرير مشروع القانون رقم 66/23 ، تنظر جمعية هيئات المحامين إلى هذا النهج باعتباره تراجع عن روح المقاربة التشاركية الدستورية وإغفال للمخرجات كل حولات الحوار السابقة. ولتتضاعف التساؤلات في الأوساط القانونية والأكاديمية حول دواعي وأسباب تغييب تلك التجربة الفريدة و المتقدمة التي سبق وأن نجحت في إنجاز أضخم إصلاح هيكلي للمؤسسة القضائية بمشاركة المحامين ، متسائلة عما إذا كانت مهنة المحاماةو باعتبارها جناح العدالة الثاني وشريك رئيس في إقرار الحقوق والدفاع عن الحريات لاتستحق بدروها طفرة تشريعية نوعية تصاغ عبر مشاركة فعالة ومسؤولة كفيلة بضمان إستقلالية الدفاع وحصانته وتحديث تدبير شؤونه بشكل ذاتي عبر نقباء،ومجالس ينتخبها المحامون أنفسهم.
إن تحول هذا الملف إلى نقطة إحتدام وتدافع مؤسساتي لا يعكس مجرد تباين عادي في الرؤى التشريعية، بل يؤشر على نشوء أزمة ثقة بليغة ترخي بظلالها على البيئة الحقوقية والمرفق العام للعدالة. لقد أبان الخطاب الإحتجاجي لجمعية هيئات المحامين بالمغرب، المشفوع بخطوات غير مسبوقة كالتوقف الشامل عن تقديم الخدمات القضائية والمساعدة القضائية، عن عمق الشعور بفراغ التوافقات وتغليب البعد الإداري على حساب منطق التشارك الناجز والفعال كما أن اللجوء إلى مثل هذه الخيارات الرمزية والمؤسساتية يعكس قناعة راسخة لدى رجال الدفاع بأن مشروعية النصوص القانونية لا تستمد كفايتها من مجرد سلامة المساطر التشريعية داخل المؤسسة البرلمانية أو رقابة المحكمة الدستورية والتي ينحصر اختصاصها في فحص مطابقة النصوص للدستور دون تقييم جودة المسار التشاركي أو جبر الاختلالات الناتجة عن نقض التوافقات، وإنما تنبع المشروعية الحقيقية من مدى الإستجابة لمتطلبات نجاعة العدالة وحماية إستقلال المهن القضائية ذات الصلة المباشرة بالحقوق والحريات.
وفي ظل هذا الجمود غير المسبوق، يتوزع أفق الأزمة على سيناريوهات متعددة ترتبط بمدى إستعداد الفاعل السياسي لمراجعة أدوات المنهجية التشريعية. حيث يتمثل السيناريو الأول المرتقب في إستمرار الإنسداد المؤسساتي والرهان على عامل الوقت لتجاوز الضغط الإحتجاجي، وهو خيار ينطوي على تكلفة حقوقية ومجتمعية باهظة تمس بحسن سير المرفق القضائي وضمانات المحاكمة العادلة لعموم المواطنين. بينما يكمن السيناريو الثاني في إعادة فتح قنوات الوساطة المؤسساتية أو المبادرات التعديلية على مستوى أطراف أعلى في الدولة لإعادة بناء ملف التوافقات وفق أسس متينة تعيد الثقة المتبادلة بين الطرفين. أما السيناريو الثالث والأخير فيتجسد في الإنزياح نحو تقنين جزئي يستجيب لبعض المطالب المادية والإجرائية الحيوية للهيئات المهنية مع الإحتفاظ بالتوجهات الكبرى للمشروع الحكومي، وهو حل قد يمتص غضب اللحظة دون أن يعالج جذور الأزمة المتمثلة بالأساس في إختلال منهجية التشارك في تشريع مصيري للمحامين والمحاماة بالمغرب.
ختاما، إن تحقيق التحديث القضائي المبتغى لا يتوقف عند حدود الصياغة الفنية للفصول والمواد القانونية، بل يتطلب بالضرورة صيانة جوهر الديمقراطية التشاركية، وضمان إستمرار الروح الإصلاحية التي جمعت الدولة بمختلف فاعلي العدالة في محطات التحول الكبرى، وبما يضمن بناء محاماة قوية و مستقلة ومساهمة بفعالية في صياغة التشريعات المنظمة لشأنها وشأن العدالة بوجه عام.
د/ الحسين بكار السباعي
محام بهيئة اكادير وكلميم والعيون.
مقبول لدى محكمة النقض.



